جرائم الذم والقدح والتحقير والمسؤولية المدنية والجزائية عنها في القانون الأردني

المحامي بشر إبراهيم الخطيب  إربد، الأردن

تُعد جرائم الذم والقدح والتحقير من الجرائم التي تمس شرف الإنسان وكرامته واعتباره وسمعته، وقد نظم المشرع الأردني أحكامها في قانون العقوبات، كما تترتب على ارتكابها آثار مدنية تتمثل في حق المتضرر بالمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به. وتبرز أهمية هذه الجرائم بصورة خاصة في الوقت الحاضر بسبب تعدد وسائل التعبير والنشر، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، الأمر الذي يجعل تحديد طبيعة العبارة أو المنشور والوسيلة التي استُخدمت لنشره أمرًا أساسيًا في تحديد المسؤولية القانونية.

وقد ميّز قانون العقوبات الأردني بين الجرائم الثلاث من حيث طبيعة السلوك المرتكب.

1. جريمة الذم

يقصد بالذم إسناد مادة معينة إلى شخص، ولو ورد ذلك في معرض الشك أو الاستفهام، بحيث يكون من شأن هذا الإسناد النيل من شرف الشخص وكرامته أو تعريضه لبغض الناس واحتقارهم، سواء كانت المادة المسندة تشكل جريمة يعاقب عليها القانون أم لا.  ومن ثم، فإن العنصر المميز للذم هو إسناد واقعة أو أمر محدد إلى المجني عليه. ومثال ذلك أن يقول شخص عن آخر إنه اختلس أموالًا أو ارتكب فعلًا مخلاً بالشرف، فهنا لا يقتصر الأمر على وصف الشخص بعبارة مهينة، وإنما تُسند إليه واقعة معينة يمكن من حيث المبدأ التحقق منها أو نفيها.

2. جريمة القدح

أما القدح فهو الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره دون إسناد واقعة معينة إليه.  والفارق الأساسي بين الذم والقدح هو أن الذم يقوم على إسناد واقعة معينة، أما القدح فيقوم على الإساءة إلى الشخص دون إسناد واقعة محددة. فإذا تضمنت العبارة إسناد فعل محدد إلى شخص فقد تكون ذمًا، أما إذا اقتصرت على وصف مهين أو جارح يمس كرامته واعتباره دون إسناد واقعة معينة فقد تدخل في نطاق القدح.

3. جريمة التحقير

التحقير هو كل تحقير أو سباب، غير الذم والقدح، يوجه إلى المعتدى عليه، وقد يقع بالكلام أو الحركات أو الكتابة أو الرسم غير العلني أو المخابرة الهاتفية أو بمعاملة غليظة.  ويختلف التحقير عن الذم والقدح في أن جوهره يتمثل في الإهانة أو الحط من الكرامة والاعتبار دون أن يكون الفعل مندرجًا في مفهوم الذم أو القدح.

ومن حيث صور ارتكاب الذم والقدح فلم يحصر القانون الذم والقدح في طريقة واحدة، وإنما حدد صورًا متعددة يمكن أن يتحقق بها الفعل. ومن هذه الصور:

1. الذم أو القدح الوجاهي: عندما يقع في مجلس وبمواجهة المعتدى عليه وفي مكان يمكن للآخرين سماعه فيه.

2. الذم أو القدح الغيابي: عندما يقع أثناء اجتماع بأشخاص آخرين.

3. الذم أو القدح الخطي: من خلال الكتابات أو الرسوم أو الصور التي تنشر أو توزع.

4. الذم أو القدح بواسطة المطبوعات ووسائل النشر.  ما يعني أن المسؤولية لا ترتبط فقط بالكلمات التي تقال شفهيًا، وإنما يمكن أن تنشأ عن الكتابة أو الصورة أو الرسم أو وسيلة من وسائل النشر متى توافرت الشروط القانونية.

كما يمكن أن يقع الفعل الجرمي بالذم أو القدح دون ذكر اسم الشخص الذي يقع عليه الفعل فلا يشترط دائمًا أن يذكر الجاني اسم المجني عليه صراحة.فإن كانت العبارات مبهمة أو لم يرد فيها اسم الشخص، ولكن وجدت قرائن تجعل نسبة العبارات إليه وتحديد المقصود منها أمرًا لا يثير شكًا، يعامل الفاعل كما لو أنه ذكر اسم المعتدى عليه صراحة. وبالتالي، فإن استخدام عبارات مثل “أحد المسؤولين” أو “أحد الموظفين” لا يمنع قيام الجريمة تلقائيًا إذا كانت الظروف والقرائن تجعل الشخص المقصود معروفًا بصورة واضحة.

و لكي تقوم المسؤولية الجزائية، يجب توافر العناصر والأركان القانونية اللازمة للجريمة وهي الركن المادي  والركن المعنوي:

1. الركن المادي يتمثل الركن المادي في صدور الفعل أو العبارة أو الإشارة أو الكتابة التي تشكل ذمًا أو قدحًا أو تحقيرًا وفقًا للتعريف القانوني، ويجب كذلك النظر إلى مضمون العبارة وسياقها والوسيلة التي استخدمت في التعبير عنها والظروف التي قيلت فيها، فلا يجوز عزل الكلمات عن السياق الذي وردت فيه عند تحديد طبيعتها القانونية.

2. الركن المعنوي: الأصل أن المسؤولية الجزائية لا تقوم بمجرد وجود كلمات يمكن أن يفهم منها الإساءة، وإنما يجب توافر القصد الجرمي وفقًا للقواعد العامة في المسؤولية الجزائية. ومن ثم يجب بحث ما إذا كان الفاعل قد صدر عنه الفعل بإرادة واعية، وما إذا كانت ظروف الواقعة تثبت علمه بطبيعة ما أسنده أو نشره.

وفيما يخص العقوبة على أي من هذه الأفعال فقد رتب قانون العقوبات عقوبات مختلفة على الذم والقدح والتحقير، بحيث تختلف العقوبة بحسب صفة الشخص المعتدى عليه والظروف التي ارتكبت فيها الجريمة. وبالنسبة للذم والقدح والتحقير الواقع على الأشخاص العاديين، تنظم المواد (358–360) من قانون العقوبات صورًا من هذه الأفعال وعقوباتها، حيث يعاقب على الذم بالحبس من شهرين إلى سنة، بينما يعاقب على بعض صور القدح والتحقير بالحبس أو الغرامة ضمن الحدود التي حددها القانون.  وتكون العقوبة أشد في بعض الحالات الخاصة، ولا سيما عندما يتعلق الفعل بشخص يتمتع بصفة رسمية أو يقع الاعتداء أثناء أداء الوظيفة أو بسببها.  ولهذا لا يكفي عند تحديد العقوبة معرفة أن الواقعة “ذم” أو “قدح” أو “تحقير”، وإنما يجب معرفة صفة المجني عليه وكيفية ارتكاب الفعل ومكانه ووسيلة نشره.

ومن المسائل المهمة في جرائم الذم والقدح أن مجرد قول المتهم إن ما ذكره “صحيح” لا يؤدي في جميع الحالات إلى إعفائه من المسؤولية.  وقد نظم القانون حالات محددة يمكن فيها بحث صحة ما نسبه الشخص، وخاصة عندما يتعلق الأمر بموظف وبواجبات وظيفته، وفق الشروط الواردة في النصوص القانونية. فإذا تعلق الذم بواجبات الوظيفة وثبتت صحة الوقائع ضمن الإطار الذي يسمح به القانون، يترتب على ذلك أثر قانوني في الدعوى.

ومن هنا يجب عدم الخلط بين حق الشخص في النقد أو الإبلاغ عن المخالفات وبين إسناد وقائع أو استعمال عبارات تتجاوز الحدود التي يسمح بها القانون.

و إلى جانب المسؤولية الجزائية، يمكن أن تنشأ مسؤولية مدنية نتيجة الأضرار التي تلحق بالمجني عليه. فالاعتداء على الشرف أو الكرامة أو السمعة قد يؤدي إلى أضرار مادية ومعنوية، مثل الإضرار بالسمعة المهنية أو فقدان فرص العمل أو التعامل التجاري أو الإضرار بالمركز الاجتماعي كما قد يؤدي إلى المعاناة النفسية والمعنوية  والمساس بالاعتبار والكرامة للمجني عليه.

وبناءً على ذلك، يستطيع المتضرر، وفقًا للقواعد القانونية الناظمة للمسؤولية المدنية والادعاء بالحق الشخصي، المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه متى توافرت عناصر المسؤولية.

 وهذه المسؤولية المدنية تقوم  بصورة عامة على ثلاثة عناصر رئيسية:

أ. الخطأ ويتمثل في ارتكاب فعل غير مشروع، كإسناد واقعة مسيئة أو توجيه عبارات جارحة أو نشر محتوى يمس سمعة شخص دون مسوغ قانوني.

ب. الضرر إذ يجب أن يترتب على الفعل ضرر للمجني عليه، وقد يكون هذا الضرر ضررًا ماديًا، كخسارة مالية أو فقدان فرصة تجارية. أو ضررًا معنويًا، كالمساس بالسمعة والشرف والاعتبار والكرامة.

ج. وأخيراً علاقة السببية إذ يجب أن تكون هناك علاقة بين الفعل المرتكب والضرر المدعى به، بحيث يكون الضرر نتيجة للفعل محل المسؤولية.

وبذكر جرائم الذم والقدح والتحقير  لابد من الإشارة إلى ظاهرة ووسيلة جرمية باتت شائعة حديثاً وهي إرتكاب أي من هذا الجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي عبر منشور أو تعليق أو غيره من أكثر الوسائل التي يمكن أن تقع من خلالها أفعال تمس السمعة والاعتبار. وقد يكون المنشور أو التعليق أو الصورة أو الرسالة محلًا للمساءلة إذا توافرت فيه العناصر التي تجعل الفعل جريمة وفق التشريع النافذ. وهنا يجب التحقق من نسبة الحساب أو المنشور إلى الشخص المعني وسلامة الدليل الإلكتروني وسياق المحتوى، لا مجرد الاعتماد على صورة مقتطعة من منشور.

ومن الجدير ذكره أن ليس كل نقد أو رأي سلبي يشكل بالضرورة جريمة ذم أو قدح أو تحقير إذ ويجب التمييز بين النقد المباح وبين الإساءة المجرّمة. فعند تقييم العبارة يجب النظر إلى طبيعتها ومضمونها وسياقها والغرض منها والوسيلة التي نشرت بها، وكذلك إلى ما إذا كانت تتضمن إسناد واقعة محددة أو مجرد إبداء رأي أو تقييم. كما تجب مراعاة الحالات التي يسمح فيها القانون بالنشر أو التعبير ضمن حدود وشروط معينة. فقد استثنى القانون بعض صور النشر من المؤاخذة عندما تتوافر شروط محددة، ومنها بعض حالات النشر المتعلق بواجب قانوني أو مصلحة مشروعة وبحسن نية ودون تجاوز القدر المعقول الذي تقتضيه المناسبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *