إخلاء المأجور و فسخ عقد الإيجار و منع المعارضة في منفعة العقار ، قراءة قانونية توضيحية للدعاوى الثلاث والفروقات بينهم

المحامي بشر إبراهيم الخطيب

…المقال قيد التحرير

مكافأة نهاية الخدمة في قانون العمل الأردني

المحامي بشر الخطيب اربد – الأردن

مقدمة

تُعد مكافأة نهاية الخدمة من أبرز الحقوق المالية التي رتبها المشرع الأردني للعامل بمناسبة انتهاء علاقته العمالية، لما تمثله من حماية اجتماعية واقتصادية للعامل عند خروجه من سوق العمل أو انتهاء خدمته لدى صاحب العمل.

وقد عالج المشرع الأردني هذه المسألة في الفصل المتعلق بعقد العمل، فنظم في المادة (32) من قانون العمل رقم (8) لسنة 1996 وتعديلاته استحقاق العامل لمكافأة نهاية الخدمة، وحدد شروطها وأساس احتسابها، كما عالج في المادة (33) وضع العامل الخاضع لأنظمة خاصة لدى المؤسسة تتعلق بصناديق الادخار أو التوفير أو التقاعد أو غيرها من الصناديق المماثلة.

وتكشف قراءة النصين عن أن المشرع لم ينشئ نظامًا واحدًا موحدًا لجميع العاملين، وإنما أقام تمييزًا جوهريًا بين فئات العمال بحسب خضوعهم أو عدم خضوعهم لأحكام قانون الضمان الاجتماعي، كما قرر حماية إضافية للعامل الذي يتمتع، إلى جانب حقه في مكافأة نهاية الخدمة، بحقوق ناشئة عن نظام خاص لصندوق من صناديق المؤسسة.

ومن ثم تبرز عدة مسائل قانونية جديرة بالبحث، أهمها: ما شروط استحقاق مكافأة نهاية الخدمة؟ وما المقصود بالعامل الذي لا يخضع للضمان الاجتماعي؟ وهل يشترط أن يكون عقد العمل غير محدد المدة؟ وما المقصود بالخدمة الفعلية؟ وكيف يحسب الأجر المعتمد للمكافأة؟ وما أثر الأجر القائم على العمولة أو القطعة؟ وهل تعد مكافأة نهاية الخدمة حقًا مستقلًا عن استحقاقات صناديق الادخار أو التقاعد؟

الطبيعة القانونية لمكافأة نهاية الخدمة

بداية في البحث في الطبيعة القانونية لمكافأة نهاية الخدمة فإنه يمكن النظر إلى مكافأة نهاية الخدمة باعتبارها حقًا ماليًا ينشأ للعامل بمناسبة انتهاء خدمته، متى توافرت الشروط التي حددها المشرع.

وتبرز أهمية هذا التكييف في أن المكافأة ليست مجرد منحة يملك صاحب العمل تقريرها أو حجبها بإرادته المنفردة، وإنما هي حق مصدره القانون متى تحققت شروطه. ويؤكد ذلك أسلوب صياغة المادة (32)، التي تقرر أن العامل المستحق “يحق” له الحصول على مكافأة نهاية الخدمة، الأمر الذي يفيد أن مصدر الاستحقاق هو النص القانوني وليس الإرادة المنفردة لصاحب العمل.

كما أن قانون العمل ذاته يقرر، في إطار أحكامه العامة، عدم المساس بالحقوق الأفضل التي قد تكون مقررة للعامل بموجب عقد العمل أو الاتفاق أو أي قانون آخر، وهو ما يؤكد أن الحماية العمالية تقوم على عدم الانتقاص من الحقوق المقررة للعامل. وعليه، فإن مكافأة نهاية الخدمة تتميز بكونها:

  • حقًا ماليًا مقررًا بنص القانون.
  • تستحق عند انتهاء الخدمة متى توافرت شروطها.
  • ترتبط مدة استحقاقها بمدة الخدمة الفعلية.
  • يحكم مقدارها الأجر المعتمد قانونًا.
  • لا يجوز الاتفاق على الانتقاص منها متى كانت شروطها القانونية متحققة.

شروط استحقاق المكافأة

ونجد أن المادة (32) تضع مجموعة من الشروط التي يجب اجتماعها لاستحقاق العامل للمكافأة، ويمكن تحديد أهم هذه الشروط في الآتي:

أولًا: أن يكون العامل مشمولًا بقانون العمل

الأصل أن المادة (32) تندرج ضمن أحكام قانون العمل، وبالتالي فإن تطبيقها يفترض ابتداءً توافر علاقة عمل خاضعة للقانون. ويترتب على ذلك ضرورة التحقق من صفة العامل وطبيعة العلاقة التي تربطه بصاحب العمل، قبل الانتقال إلى بحث استحقاق المكافأة.

ثانيًا: عدم الخضوع لأحكام قانون الضمان الاجتماعي

يمثل هذا الشرط حجر الأساس في تطبيق المادة (32)، فالمشرع ربط استحقاق مكافأة نهاية الخدمة المنصوص عليها في المادة المذكورة بعدم خضوع العامل لأحكام قانون الضمان الاجتماعي.

ويفهم من ذلك أن نظام مكافأة نهاية الخدمة في المادة (32) يقوم بوظيفة حمائية بالنسبة إلى الفئة التي لا يشملها نظام الضمان الاجتماعي، بحيث لا يجتمع النظامان تلقائيًا على الأساس ذاته. ومن الناحية العملية، فإن أول ما ينبغي طرحه والبحث فيه عند دراسة أي مطالبة بمكافأة نهاية الخدمة هو فيما إذا كان العامل خاضعًا للضمان الاجتماعي خلال مدة الخدمة محل المطالبة أم لا.

استحقاق مكافأة نهاية الخدمة

أما فيما يتعلق باستحقاق مكافأة نهاية الخدمة فإن النص يقرر أن استحقاقها يكون عند انتهاء خدمة العامل، إذ إن المكافأة لا تصبح مستحقة بصورتها النهائية إلا بمناسبة انتهاء علاقة العمل. وقد استخدم المشرع عبارة واسعة هي “تنتهي خدماته لأي سبب من الأسباب”، وهي صياغة تؤكد أن أصل الاستحقاق لا يرتبط، من حيث المبدأ، بطريقة محددة لإنهاء الخدمة.

طريقة احتساب مكافأة نهاية الخدمة

وفي طريقة احتساب مكافأة نهاية الخدمة فقد قرر المشرع قاعدة واضحة في احتساب المكافأة، وهي أن العامل يستحق أجر شهر عن كل سنة من سنوات خدمته الفعلية. ويعني ذلك أن المشرع اعتمد معيارين رئيسيين:

  1. مدة الخدمة الفعلية.
  2. الأجر المعتمد قانونًا للحساب.

فإذا بلغت مدة الخدمة مثلًا خمس سنوات وستة أشهر، وكان الأجر المعتمد للحساب ألف دينار، فإن أصل المكافأة، وفق قاعدة المادة (32)، يكون عن خمس سنوات وستة أشهر، أي ما يعادل خمسة أشهر ونصف من الأجر المعتمد. وتكمن أهمية هذه القاعدة في أن المشرع لم يجعل المكافأة مبلغًا ثابتًا، بل ربطها ارتباطًا مباشرًا بمدة الخدمة وبالأجر.

الخدمة الفعلية وكسور السنة

ونجد ان المادة المادة (32) قد استخدمت تعبير “سنوات من خدمته الفعلية”، وهو تعبير له أثر مباشر في تحديد المبلغ المستحق. فالأساس ليس مجرد الفترة الزمنية التي ارتبط فيها العامل اسميًا بصاحب العمل، وإنما المدة التي تعتبر خدمة فعلية وفقًا لأحكام قانون العمل. ومن ثم، عند احتساب المكافأة يجب فحص الفترات التي انقطعت فيها علاقة العمل أو توقفت فيها الخدمة، وتحديد ما إذا كانت هذه الفترات تدخل في حساب مدة الخدمة أم لا.

وفي هذا السياق، عالج النص مسألة الفواصل التي تقع بين عمل وآخر، وقرر في حدود النص النافذ اعتبار بعض الفواصل مدة استخدام متصلة عند حساب المكافأة. وهذه القاعدة ذات أهمية خاصة للعامل الذي عمل لدى صاحب العمل ذاته بموجب فترات متعاقبة، إذ إن وجود فاصل زمني بين فترتي عمل لا يعني بالضرورة سقوط مدة الخدمة السابقة من الحساب.

ما لم يشترط المشرع إكمال سنة كاملة حتى يستحق العامل المقابل عنها في المكافأة. بل نص صراحة على أن العامل يعطى عن كسور السنة مكافأة نسبية. ويترتب على ذلك أن مدة الخدمة لا تقرب إلى أقرب سنة كاملة، وإنما تحسب بصورة تناسبية. فإذا كان العامل قد أمضى، مثلًا، ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، فإن المدة المحتسبة لا تكون ثلاث سنوات فقط، بل ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، ويحتسب الجزء الأخير بنسبة مدته. وهذه القاعدة تعكس ارتباط المكافأة بمدة الخدمة الفعلية بصورة دقيقة، وتمنع حرمان العامل من المقابل المالي عن جزء من السنة التي أكملها في الخدمة.

الأجر المعتمد للحساب

وقد حدد المشرع الأجر الذي يعتمد في حساب المكافأة، فنص على أن المكافأة تحتسب على أساس آخر أجر تقاضاه العامل خلال مدة استخدامه في الحالة التي يكون فيها الأجر معلومًا وثابتًا وفقًا لطبيعة العمل. ويترتب على ذلك أن العبرة ليست بمتوسط الأجر طوال سنوات الخدمة، وإنما بالأجر الذي حدده النص أساسًا للحساب عند انتهاء الخدمة. وهذه القاعدة تثير مسألة عملية مهمة عند وجود تغييرات في الأجر خلال فترة الخدمة. فإذا كان العامل قد بدأ العمل بأجر معين ثم ارتفع أجره لاحقًا، فإن قاعدة النص تقود إلى اعتماد الأجر الأخير في حساب المكافأة، متى كان الأجر من النوع الذي ينطبق عليه هذا الجزء من المادة. وهذا ما يجعل مكافأة نهاية الخدمة مرتبطة بالمركز المالي للعامل عند انتهاء العلاقة العمالية، وليس بمجرد مجموع الأجور التي تقاضاها خلال سنوات خدمته.

الأجر القائم على العمولة أو القطعة

ومن ناحية أخرى أدرك المشرع أن بعض علاقات العمل لا تقوم على أجر شهري ثابت، وإنما قد يكون الأجر كله أو بعضه قائمًا على العمولة أو القطعة. ولذلك وضع قاعدة حسابية خاصة لهذه الفئة، فإذا كان الأجر كله أو بعضه يحتسب على أساس العمولة أو القطعة، فإن أساس حساب المكافأة يكون المتوسط الشهري لما تقاضاه العامل فعليًا خلال الاثني عشر شهرًا السابقة لانتهاء خدمته. أما إذا كانت مدة الخدمة أقل من اثني عشر شهرًا، فيعتمد المتوسط الشهري لمجموع مدة الخدمة. وتكشف هذه القاعدة عن رغبة المشرع في منع النتائج غير العادلة التي قد تنشأ عن اعتماد شهر واحد في حالة الأجر المتغير. فالأجر القائم على العمولة أو الإنتاج قد يتغير من شهر إلى آخر، ولذلك اعتمد المشرع متوسطًا زمنيًا يسمح بتحديد أساس أقرب إلى الدخل الفعلي للعامل. وعليه، فإن المسألة الحسابية في هذه الحالة تتطلب:

  1. تحديد مجموع ما تقاضاه العامل خلال الفترة المرجعية.
  2. تحديد عدد الأشهر التي تشملها الفترة.
  3. استخراج المتوسط الشهري.
  4. اعتماد المتوسط أساسًا لحساب المكافأة.
  5. تطبيق هذا الأساس على كامل مدة الخدمة وفق القواعد القانونية.

تحديد مفهوم “آخر أجر”

كما أن من المسائل التي قد تثار عمليًا تحديد المقصود بعبارة “آخر أجر” وكيف يتم احتسابه وعلى ما يشتمل. ولا يجوز افتراض أن كل مبلغ يدفع للعامل يدخل تلقائيًا في مفهوم الأجر المعتمد لحساب المكافأة، كما لا يجوز استبعاد أي عنصر دون بحث طبيعته القانونية. فالعبرة في التكييف تكون بطبيعة المبلغ وما إذا كان يمثل جزءًا من الأجر بالمعنى المقصود في قانون العمل، أم أنه بدل أو نفقة أو منفعة لها طبيعة مختلفة. ومن هنا، فإن النزاع حول ما يدخل في أجر نهاية الخدمة يجب أن يعالج من خلال تحديد طبيعة كل عنصر على حدة، وليس بمجرد الاعتماد على الاسم الذي تطلقه المؤسسة عليه. وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتكون دخل العامل من راتب أساسي وبدلات وعمولات وحوافز ومزايا أخرى.

الاستحقاقات الإضافية وصناديق الادخار

على أنه تنبغي التفرقة بين مكافأة نهاية الخدمة التي يقررها القانون في المادة 32 منه وبين مكافأة نهاية الخدمة التي تستحق للعامل بموجب صناديق الادخار الاختيارية المعمول بها في بعض المنشآت. فقد جاءت المادة (33) لتقرر حماية إضافية للعامل، وذلك في الحالات التي يكون فيها خاضعًا لأنظمة خاصة للمؤسسة تتعلق بصندوق ادخار أو توفير أو تقاعد أو أي صندوق مماثل. وتتميز المادة (33) بعبارة ذات دلالة تشريعية واضحة، إذ تقرر أن العامل يستحق بالإضافة إلى مكافأة نهاية الخدمة جميع الاستحقاقات الممنوحة له بموجب أنظمة الصندوق عند انتهاء الخدمة. وبذلك أقام المشرع، من حيث الأصل، استقلالًا بين الحقين:

  • الحق الأول: مكافأة نهاية الخدمة.
  • الحق الثاني: الاستحقاقات المقررة للعامل بموجب نظام الصندوق.

والنتيجة المهمة لهذا التنظيم أن وجود صندوق ادخار أو تقاعد أو توفير داخل المؤسسة لا يؤدي، بمجرد وجوده، إلى إسقاط مكافأة نهاية الخدمة التي يقررها القانون. بل الأصل الذي يفهم من صياغة المادة هو اجتماع الحقين متى توافرت شروط كل منهما. فالمشرع لم يقل إن استحقاقات الصندوق تحل محل مكافأة نهاية الخدمة، وإنما قررها بالإضافة إليها. وهذا يترتب عليه مبدئيًا أن صاحب العمل لا يستطيع التمسك بمجرد وجود صندوق تقاعد أو ادخار للقول بأن العامل استوفى مكافأة نهاية الخدمة، ما لم يوجد أساس قانوني خاص يقرر خلاف ذلك.

وبالمقابل، فإن العامل لا يستطيع المطالبة بمبلغ الصندوق استنادًا إلى المادة (33) وحدها دون الرجوع إلى النظام الخاص بالصندوق وتحديد الشروط التي تجعل الاستحقاق واجب الأداء. وعليه، فإن المطالبة قد تتضمن مصدرين مختلفين للحق، لكل منهما أساسه وشروطه وطريقة احتسابه.

مسائل خلافية في التطبيق

ومن الملاحظ أن المادة (32) تثير عددًا من المسائل التي قد تكون محل خلاف في التطبيق القضائي والعملي، ومن أهمها:

  1. تحديد العامل الخاضع للضمان الاجتماعي: فقد ينشأ خلاف حول ما إذا كان العامل مشمولًا فعليًا بالضمان الاجتماعي عن كامل مدة الخدمة أو جزء منها، وما أثر ذلك على المطالبة بالمكافأة.
  2. تحديد مدة الخدمة الفعلية: إذ قد تكون هناك فترات انقطاع أو إعادة استخدام أو عقود متعاقبة، الأمر الذي يستوجب تحديد ما إذا كانت الخدمة متصلة قانونًا أم منفصلة.
  3. تحديد الأجر المعتمد: فلربما ينشأ نزاع حول ما يدخل في الأجر، ولا سيما عندما يتكون دخل العامل من عناصر متعددة.
  4. العمولة والحوافز: قد يكون تحديد ما إذا كان عنصر معين من عناصر الدخل يمثل عمولة أو جزءًا من الأجر الثابت مؤثرًا مباشرة في طريقة احتساب المكافأة.

خاتمة

من الجدير الإشارة إليه أخيراً أنه ينبغي النظر إلى أحكام مكافأة نهاية الخدمة في سياق فلسفة قانون العمل بوصفه تشريعًا حمائيًا يضع حدًا أدنى من الحقوق التي لا يجوز الانتقاص منها. ويؤيد ذلك أن قانون العمل يقرر، في أحكامه العامة، عدم تأثير أحكامه في أي حق أفضل يكون مقررًا للعامل بموجب قانون آخر أو عقد أو اتفاق أو نظام، فضلًا عن اعتبار الشروط التي تتضمن تنازل العامل عن حقوقه التي يمنحها له القانون غير نافذة في الحدود التي يقررها القانون. ومن هنا، فإن العقد أو النظام الداخلي للمؤسسة لا ينبغي أن يستخدم وسيلة للانتقاص من الحد الأدنى المقرر قانونًا.

وفي المقابل، إذا كان النظام الداخلي أو الاتفاق أو نظام الصندوق يمنح العامل مزايا أفضل، فإن المسألة تتحول إلى بحث مدى قابلية هذه المزايا للتطبيق باعتبارها حقوقًا تعاقدية أو تنظيمية إضافية.

بالنتيجة فإنه يتبين من تحليل المادتين (32) و(33) من قانون العمل الأردني أن المشرع أقام نظامًا متكاملًا لحماية العامل عند انتهاء الخدمة، يقوم على مستويين متمايزين: المستوى الأول يتمثل في مكافأة نهاية الخدمة التي تقررها المادة (32) للعامل الذي تتوافر فيه شروطها، وعلى رأسها عدم الخضوع لأحكام قانون الضمان الاجتماعي، وتحتسب على أساس أجر شهر عن كل سنة من سنوات الخدمة الفعلية، مع احتساب كسور السنة بنسبة تتناسب مع مدتها. كما وضع المشرع قواعد خاصة لتحديد أساس الحساب عند كون الأجر قائمًا كليًا أو جزئيًا على العمولة أو القطعة، وذلك بالاعتماد على متوسط ما تقاضاه العامل خلال الفترة المرجعية المحددة قانونًا.

أما المستوى الثاني، فقد نظمته المادة (33)، التي قررت للعامل، بالإضافة إلى مكافأة نهاية الخدمة، حقه في الاستفادة من الاستحقاقات المقررة له بموجب أنظمة صناديق الادخار أو التوفير أو التقاعد أو الصناديق المماثلة التي يخضع لها. وتبرز أهمية هذا النص الأخير في أنه يفصل، من حيث الأصل، بين مكافأة نهاية الخدمة باعتبارها حقًا مقررًا بموجب قانون العمل وبين استحقاقات الصندوق باعتبارها حقوقًا ناشئة عن النظام الخاص بالصندوق. وعليه، فإن وجود صندوق ادخار أو تقاعد في المؤسسة لا يؤدي بذاته إلى إحلال استحقاق الصندوق محل مكافأة نهاية الخدمة، ما لم يوجد أساس قانوني خاص يقرر نتيجة أخرى.

ومن الناحية العملية، فإن أي نزاع حول مكافأة نهاية الخدمة لا ينبغي أن يبدأ بالحساب مباشرة، وإنما يبدأ بتحديد المركز القانوني للعامل: هل يخضع للضمان الاجتماعي؟ ما طبيعة عقده؟ ما مدة خدمته الفعلية؟ ما طبيعة أجره؟ وما سبب انتهاء الخدمة؟ ثم بعد ذلك يتم تحديد الأجر المرجعي وتطبيق قاعدة الحساب. أما في حالة وجود صندوق ادخار أو تقاعد أو توفير، فينبغي إجراء بحث مستقل لنظام الصندوق لتحديد الاستحقاق الناشئ عنه، بحيث لا تختلط الحقوق القانونية الناشئة عن قانون العمل بالحقوق التنظيمية أو التعاقدية الناشئة عن نظام الصندوق. وبذلك يمكن القول إن أحكام المادتين (32) و(33) تعكسان توجهًا تشريعيًا يقوم على حماية العامل عند انتهاء العلاقة العمالية، مع التمييز بين أنظمة الحماية المختلفة وعدم اختزال جميع الاستحقاقات في مكافأة واحدة.

تسجيل شركة التضامن والشركة ذات المسؤولية المحدودة وفقًا للقانون الأردني والفرق بينهما

الفرق بين تسجيل شركة التضامن والشركة ذات المسؤولية المحدودة وفقًا للقانون الأردني…

جريمة إساءة الأمانة في القانون الأردني أركانها وأحكامها وعقوبتها

جريمة إساءة الأمانة في القانون الأردني: أركانها وأحكامها وعقوبتها

المحامي بشر إبراهيم الخطيب

وردت جريمة إساءة الأمانة في المواد (422 وما بعدها) من قانون العقوبات الأردني. وبشكل جوهري فهي تجرم من تسلّم مالًا أو نقودًا أو أشياء أو سندًا للغير على سبيل الأمانة أو الوكالة أو الحفظ أو الاستعمال المحدد أو لإجراء عمل، ثم كتمه أو بدله أو تصرف به تصرف المالك أو استهلكه أو امتنع عن تسليمه لمن يجب تسليمه إليه. وتُعد جريمة إساءة الائتمان من الجرائم الواقعة على الأموال، وتقوم فكرتها الأساسية على أن يتسلّم شخص مالًا أو شيئًا مملوكًا للغير على سبيل الأمانة أو لغرض محدد، ثم يخل بالثقة التي أُعطيت له من خلال التصرف بالمال أو الشيء على نحو يخالف الغرض الذي تسلّمه من أجله. وقد نظم المشرع الأردني هذه الجريمة في الفصل الثالث من قانون العقوبات، وتحديدًا في المواد (422) وما بعدها، تحت عنوان إساءة الائتمان والاختلاس. وتكمن خصوصية هذه الجريمة في أن المال يكون قد وصل إلى حيازة الجاني أصلًا بطريقة مشروعة، ثم تتحول الحيازة لاحقًا إلى حيازة غير مشروعة نتيجة سلوك الجاني.

وتنص المادة (422) من قانون العقوبات الأردني على أن من تسلّم على سبيل الأمانة أو الوكالة، ولغرض الإبراز والإعادة أو الاستعمال على صورة معينة أو الحفظ أو إجراء عمل، مالًا أو نقودًا أو أشياء أو سندًا يتضمن تعهدًا أو إبراء، ثم كتمه أو بدله أو تصرف به تصرف المالك أو استهلكه أو أقدم على فعل يعد تعديًا أو امتنع عن تسليمه لمن يلزم تسليمه إليه، يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وبالغرامة من عشرة دنانير إلى مائة دينار.

وبذلك يتضح أن المشرع لم يقصر الجريمة على حالة اختلاس النقود، وإنما وسّع نطاقها ليشمل الأموال والأشياء والسندات، متى كانت قد سُلّمت إلى الجاني في إطار من الأمانة أو لغرض محدد يوجب عليه المحافظة عليها أو ردها أو استعمالها وفق الغرض المتفق عليه.

تتميز جريمة إساءة الائتمان عن السرقة والاحتيال بأن المال محل الجريمة يكون قد وصل إلى يد المتهم بصورة مشروعة في بداية الأمر. فالشخص الذي يتسلّم مالًا من صاحبه على سبيل الحفظ أو الوكالة أو لغرض محدد لا يكون حائزًا له بصورة غير مشروعة عند استلامه. وإنما تنشأ الجريمة عندما يقوم بعد ذلك بسلوك يتعارض مع الغرض الذي تسلّم المال من أجله. ولهذا فإن مجرد وجود المال في حيازة الشخص لا يكفي لقيام الجريمة، بل يجب أن تكون هناك علاقة أمانة أو غرض محدد يفسر كيفية وصول المال إلى حيازته، ثم يقع فعل يشكل إخلالًا بهذه الأمانة.

 

ولجريمة إساءة الأمانة ركنان مادي ومعنوي ، وبداية فإن الركن المادي لجريمة إساءة الائتمان يتكون من مجموعة عناصر مترابطة:

أولاً:  تسلّم المال أو الشيء: بحيث يجب أن يكون المال أو الشيء قد وصل إلى حيازة المتهم بصورة مشروعة، وعلى أساس من الأمانة أو الوكالة أو الحفظ أو لغرض معين. ومن أمثلة ذلك أن يتسلّم شخص مالًا من آخر لحفظه، أو يتسلّم بضاعة لبيعها أو تسليمها لشخص معين، أو يتسلّم مالًا لإجراء عمل محدد، ثم يتصرف به خلافًا للغرض الذي تسلمه من أجله.

ثانياً:  أن يكون المال مملوكًا للغير: إذ يشترط أن يكون المال محل الجريمة عائدًا إلى شخص آخر غير الجاني، لأن جوهر الجريمة هو الاعتداء على مال الغير بعد تسلمه على سبيل الأمانة أو لغرض محدد.

ثالثاً:  وقوع فعل إساءة الأمانة بواحدة من الصور المنصوص عليها في القانون: فقد حدد المشرع صورًا متعددة للسلوك الذي يمكن أن يشكل إساءة ائتمان، ومن ذلك:

– كتمان المال أو الشيء.

– تبديله.

– التصرف فيه تصرف المالك.

– استهلاكه.

– القيام بفعل يشكل تعديًا عليه.

– الامتناع عن تسليمه إلى الشخص الذي يجب تسليمه إليه.

 

ومن ثم، فإن الجريمة لا تتطلب بالضرورة أن يقوم المتهم ببيع المال أو إنفاقه؛ فقد تتحقق أيضًا من خلال الامتناع عن رده متى توافرت العناصر القانونية للجريمة.

ومن المهم توضيحه أن ليس كل تأخر في رد المال أو كل نزاع حول مبلغ مالي جريمة إساءة ائتمان. وهذه نقطة مهمة جدًا في التمييز بين النزاع المدني والجريمة الجزائية. فوجود دين في ذمة شخص، أو نشوء خلاف حول تنفيذ عقد، أو تأخر المدين في دفع مبلغ مالي، لا يعني تلقائيًا أن هناك جريمة إساءة ائتمان.

 

وكما أن للجريمة ركن مادي فإن لها ركن معنوي أيضا، ذلك أن إساءة الائتمان من الجرائم التي تتطلب توافر القصد الجرمي وفق ظروف الواقعة. ويتمثل جوهر القصد في علم المتهم بأن المال أو الشيء الذي في حيازته ليس مملوكًا له وأنه تسلمه على أساس يفرض عليه المحافظة عليه أو رده أو استعماله وفق الغرض المحدد، ثم اتجاه إرادته إلى التصرف فيه على نحو يخالف هذا الالتزام. وعليه، فإن مجرد الخطأ أو الإهمال لا يكفي، في الأصل، لاستخلاص المسؤولية الجزائية عن إساءة الائتمان دون التحقق من توافر العناصر والقصد الجرمي الذي يتطلبه النص. ولهذا يجب في كل قضية بحث نية المتهم وظروف تسلم المال وطبيعة التصرف الذي قام به والأدلة التي تثبت اتجاه إرادته.

وقد يلتبس الفرق بين جريمة إساءة الأمانة وجرائم مشابهة لها مثل السرقة أو الاحتيال، وللتوضيح فإنه في جريمة السرقة، ينتزع الجاني المال من حيازة صاحبه دون رضاه، فتكون الحيازة غير المشروعة هي نقطة البداية. أما في إساءة الائتمان، فإن المال يصل إلى الجاني ابتداءً بصورة مشروعة، بناءً على الأمانة أو الوكالة أو الحفظ أو لغرض محدد، ثم يقوم الجاني بعد ذلك بالإخلال بهذه الثقة والتصرف في المال بصورة غير مشروعة.

وتختلف إساءة الأمانة عن الاحتيال من حيث طريقة حصول الجاني على المال. ففي الاحتيال يكون الحصول على المال نتيجة وسائل احتيالية تدفع المجني عليه إلى تسليم ماله. أما في إساءة الائتمان، فيكون التسليم في الأصل مشروعًا وصحيحًا، ولا تكون الجريمة قائمة على خداع المجني عليه عند التسليم، وإنما على التصرف اللاحق في المال بصورة مخالفة للأمانة أو الغرض المحدد.

وقد تلحق جريمة إساءة الأمانة ظروف أو أوصاف معينة تؤدي إلى زيادة جسامة فعل إساءة الأمانة وبالتالي تشديد العقوبة المقررة لها، فقد نصت المادة (423) على تشديد العقوبة في حالات معينة، ومن بينها أن يكون مرتكب الفعل خادمًا بأجرة أو عاملًا لدى صاحب العمل وكان الضرر موجهًا إلى مخدومه أو صاحب العمل، وكذلك في حالات أخرى حددها النص، ومنها مدير مؤسسة خيرية، والوصي، والمحامي أو كاتب العدل، وبعض الأشخاص المستنابين عن السلطة العامة لإدارة الأموال أو حراستها. وبالتالي، فإن تحديد العقوبة لا يعتمد فقط على طبيعة الفعل، وإنما قد يعتمد أيضًا على صفة مرتكب الجريمة وعلاقته بالمجني عليه والمال محل الجريمة.

وقد تقع جريمة إساءة الائتمان بصورة متكررة في علاقات العمل، خاصة عندما يتسلّم الموظف أو العامل أموالًا أو بضائع أو أدوات أو مستندات مملوكة لصاحب العمل لغرض معين. فإذا كان العامل قد تسلّم المال أو الشيء على سبيل الأمانة أو لغرض محدد، ثم قام باختلاسه أو التصرف فيه لمصلحته أو امتنع عن تسليمه وفقًا لما يقتضيه الغرض من التسليم، فقد تتوافر أركان إساءة الائتمان، بحسب وقائع القضية والأدلة. وقد خص المشرع هذه الحالة بحكم أشد في المادة (423) عندما يكون مرتكب الفعل عاملًا أو خادمًا بأجرة ويكون الضرر موجهًا إلى صاحب العمل. وقد تثار الجريمة كذلك في إطار الشركات، كأن يتسلّم مدير أو موظف أموالًا أو موجودات مملوكة للشركة لغرض محدد ثم يتصرف فيها لحسابه الشخصي.

واخيراُ ومن حيث عقوبة جرم إساءة الأمانة فإن العقوبة المقررة لها وفقاُ لنص المادة 422 هي الحبس من شهرين إلى سنتين، والغرامة من عشرة دنانير إلى مائة دينار. إلا أن العقوبة قد تختلف في الحالات التي نص القانون على تشديدها كما تمت الإشارة سابقاٌ، ولذلك لا يجوز تحديد العقوبة النهائية دون معرفة صفة المتهم والظروف المحيطة بالفعل ومدى انطباق المواد اللاحقة على الواقعة.

 

مسؤولية مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة المدنية والجزائية وفقًا لقانون الشركات الأردني

 

مسؤولية مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة المدنية والجزائية وفقًا لقانون الشركات الأردني

 

المحامي بشر إبراهيم الخطيب

 

تقوم الشركة ذات المسؤولية المحدودة في الأصل على استقلال ذمتها المالية عن الذمم المالية للشركاء،  فالشركة هي التي تكون مسؤولة عن ديونها والتزاماتها، ولا يسأل الشريك عنها إلا في حدود حصته في رأس المال. غير أن هذه الحماية لا تعني أن مدير الشركة يتمتع بحصانة شخصية عن جميع الأفعال التي يرتكبها أثناء إدارته. فقد رتب قانون الشركات الأردني مسؤولية شخصية على المدير متى ارتكب مخالفة قانونية أو نظامية أو تعاقدية أو تسبب بخطئه في إلحاق الضرر بالشركة أو الشركاء أو الغير.  ويُعد هذا الموضوع من المسائل المهمة عمليًا، لأن صفة “مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة” لا تعني أن جميع الالتزامات تبقى في ذمة الشركة، بل قد تنتقل المسؤولية إلى المدير شخصيًا متى توافرت شروط المسؤولية القانونية.

وللتوضيح تنص المادة (60) من قانون الشركات على أن إدارة الشركة ذات المسؤولية المحدودة يتولاها مدير أو هيئة مديرين، ويكون المدير أو هيئة المديرين صاحب الصلاحيات اللازمة لإدارة الشركة ضمن الحدود التي يحددها نظامها. وفي الوقت ذاته، قرر القانون حماية للغير حسن النية الذي يتعامل مع الشركة، إذ تعتبر الأعمال والتصرفات التي يقوم بها المدير باسم الشركة ملزمة لها تجاه الغير حسن النية، حتى لو تضمن عقد الشركة أو نظامها قيودًا على صلاحيات المدير. كما يفترض القانون حسن نية الغير ما لم يثبت العكس. وهذا يعني أن هناك تمييزًا بين مسؤولية الشركة تجاه الغير عن التصرف الذي أجراه المدير باسمها وبين مسؤولية المدير الشخصية عن المخالفة أو الخطأ الذي ارتكبه.

فيما تعتبر المادة (61) الأساس المباشر لمسؤولية مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة، إذ تقرر أن المدير، سواء كان مديرًا منفردًا أو عضوًا في هيئة المديرين، يكون مسؤولًا تجاه الشركة والشركاء والغير من المتعاملين مع الشركة عن أية مخالفة لأحكام قانون الشركات والأنظمة الصادرة بموجبه، أو عقد تأسيس الشركة ونظامها، أو القرارات الصادرة عن الهيئة العامة أو هيئة المديرين. ومن ثم، فإن مسؤولية المدير المدنية قد تتخذ ثلاث صور رئيسية:

1. مسؤولية المدير تجاه الشركة: تتحقق هذه المسؤولية عندما يؤدي تصرف المدير أو امتناعه عن القيام بواجب قانوني إلى إلحاق ضرر بالشركة نفسها. ومن أمثلة ذلك أن يقوم المدير بتصرف مخالف لنظام الشركة أو أن يستعمل أموال الشركة بصورة غير مشروعة أو يتخذ قرارًا إداريًا مخالفًا للقانون ويترتب عليه ضرر مالي للشركة، وفي هذه الحالة يكون من حق الشركة الرجوع على المدير للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسبب به.

2. مسؤولية المدير تجاه الشركاء: قد يرتكب المدير مخالفة لا يقتصر أثرها على الشركة، وإنما تلحق ضررًا مباشرًا بأحد الشركاء أو بعدد منهم. وقد أشار القضاء الأردني إلى أن مسؤولية المدير تجاه الشريك يمكن أن تتحقق عندما يؤدي خطأ المدير أو مخالفته للقوانين والأنظمة إلى إلحاق ضرر شخصي بالشريك، مثل حرمانه من حق مقرر له وفقًا لنظام الشركة وبالتالي لا يكفي أن يكون الشخص متضررًا بصورة غير مباشرة نتيجة انخفاض قيمة الشركة أو أرباحها، وإنما ينبغي بحث طبيعة الضرر وعلاقته بالفعل المنسوب إلى المدير.

3. مسؤولية المدير تجاه الغير: يمكن أن تمتد مسؤولية المدير إلى الغير إذا ارتكب مخالفة أو خطأ أدى بصورة مباشرة إلى إلحاق الضرر به. وقد أكد القضاء الأردني أن مسؤولية المدير تجاه الغير تقوم على أساس الضرر الناتج عن المخالفة أو الخطأ في إدارة الشركة.  وهنا يجب التمييز بين حالتين: فإذا تعاقد المدير باسم الشركة مع شخص حسن النية، فإن التصرف يكون، كأصل عام، ملزمًا للشركة وفق المادة (60). أما إذا ارتكب المدير شخصيًا مخالفة أو خطأ تسبب في ضرر للغير، فقد تنشأ مسؤوليته الشخصية عن ذلك الضرر.

ومن الجدير ذكره أن مسؤولية المدير لا تقتصر على مخالفة النصوص الخاصة بقانون الشركات، وإنما قد تشمل الخطأ في إدارة الشركة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب المادة (76) من قانون الشركات، التي تقضي بتطبيق الأحكام المتعلقة بالشركة المساهمة العامة على الشركة ذات المسؤولية المحدودة في كل مسألة لم يرد بشأنها نص خاص في الأحكام المنظمة للشركة ذات المسؤولية المحدودة.  وقد استند القضاء الأردني إلى هذه القاعدة في تطبيق المادة (157) على الشركة ذات المسؤولية المحدودة، وقرر أن مدير الشركة أو هيئة المديرين يكون مسؤولًا عن المخالفات للقوانين والأنظمة وعن الخطأ في إدارة الشركة، متى ترتب على ذلك ضرر. وبالتالي، فإن مسؤولية المدير ليست محصورة في الأفعال التي يحظرها القانون صراحة، وإنما قد تنشأ كذلك من سوء الإدارة أو الخطأ الإداري متى توافرت عناصر المسؤولية المدنية.

 ومن بعض صور مسؤوليات المدير في الشركة ذات المسؤولية المحدودة التزاماته تلم المتعلقة بالحسابات والبيانات المالية، فقد ألزم القانون مدير الشركة أو هيئة المديرين بإعداد الميزانية السنوية والحسابات الختامية، بما فيها حساب الأرباح والخسائر والإيضاحات وبيان التدفقات النقدية، على أن تكون مدققة من مدقق حسابات قانوني وفق المعايير المحاسبية والتدقيقية المعتمدة. كما يجب إعداد التقرير السنوي عن أعمال الشركة وتقديم هذه البيانات إلى الهيئة العامة في اجتماعها العادي السنوي، وتقديم نسخة منها إلى مراقب الشركات ضمن المدة المحددة قانونًا. وتظهر أهمية هذه الالتزامات في أن الإخلال بها قد يرتب مسؤولية مدنية، وقد يرتب أيضًا مسؤولية جزائية إذا توافرت إحدى الجرائم أو المخالفات التي نص قانون الشركات أو أي تشريع آخر على تجريمها.

 ومن هذه الصور أيضاً مسؤولية المدير عند تجاوز صلاحياته، فقد يتضمن نظام الشركة قيودًا على صلاحيات المدير، مثل وضع حدود معينة للاستدانة أو رهن موجودات الشركة أو كفالة التزامات الغير. إلا أن وجود هذه القيود لا يعني بالضرورة أن التصرف المخالف لها غير ملزم للشركة في مواجهة الغير حسن النية؛ فالمادة (60) تقرر أن أعمال المدير باسم الشركة تكون ملزمة لها تجاه الغير حسن النية، بغض النظر عن القيود الداخلية الواردة في عقد الشركة أو نظامها. ولكن ذلك لا يعني إعفاء المدير من المسؤولية الداخلية؛ فإذا تجاوز المدير صلاحياته وخالف نظام الشركة وترتب على ذلك ضرر، فقد يسأل شخصيًا تجاه الشركة أو الشركاء أو الغير بحسب طبيعة الضرر والفعل المرتكب.

 وبالإضافة لما ذكر فإن القانون كذلك يمنع المدير من منافسة الشركة بحيث فرضت المادة (63) قيودًا على مدير الشركة وأعضاء هيئة المديرين، فمنعتهم، كأصل عام، من تولي وظيفة في شركة أخرى ذات غايات مماثلة أو منافسة، أو ممارسة عمل مماثل لأعمال الشركة لحسابهم أو لحساب الغير، أو الاشتراك في إدارة شركة أخرى ذات غايات مماثلة أو منافسة، إلا بعد الحصول على موافقة الهيئة العامة بالأغلبية التي حددها القانون. وفي حال عدم تصحيح المخالفة وفق الإجراءات المنصوص عليها، يترتب على المخالف فقدان مركزه في الشركة، فضلًا عن غرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار، وإلزامه بالضرر الذي لحق بالشركة أو الشركاء. وهذه الصورة تمثل مثالًا واضحًا على اجتماع المسؤولية المدنية والجزاء القانوني في فعل واحد.

 كذلك قد تقوم مسؤولية المدير عن خسائر الشركة فقد أوجب القانون على مدير الشركة أو هيئة المديرين اتخاذ إجراءات معينة عند وصول خسائر الشركة إلى نسب محددة من رأس المال. فإذا زادت خسائر الشركة على نصف رأس مالها، يجب دعوة الهيئة العامة إلى اجتماع غير عادي لاتخاذ القرار المناسب بشأن تصفية الشركة أو استمرارها مع تصحيح أوضاعها. أما إذا بلغت الخسائر ثلاثة أرباع رأس المال، فالأصل وجوب تصفية الشركة، ما لم تتخذ الهيئة العامة غير العادية الإجراءات التي يسمح بها القانون لمعالجة الخسائر. ومن ثم فإن تقاعس المدير عن اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون عند تعرض الشركة لخسائر جسيمة قد يؤدي إلى قيام مسؤوليته، بحسب ظروف الواقعة والضرر الناتج عنها.

 ولا تقتصر مسؤولية المدير على الجانب المدني، فقد يرتكب أثناء إدارته للشركة أفعالًا تشكل جرائم أو مخالفات يعاقب عليها قانون الشركات أو قوانين أخرى. ومن المهم هنا التأكيد على أن المسؤولية الجزائية شخصية؛ فلا يعاقب المدير لمجرد أن الشركة ارتكبت مخالفة، وإنما يجب أن تتوافر في حقه العناصر القانونية للفعل الجرمي أو المخالفة المنسوبة إليه. ومن ذلك الجرائم المتعلقة بالبيانات والحسابات، مثل تنظيم ميزانية الشركة وحسابات أرباحها وخسائرها بصورة غير مطابقة للواقع، أو تضمين التقارير بيانات غير صحيحة، أو تقديم معلومات غير صحيحة للهيئة العامة، أو كتم معلومات وإيضاحات يوجب القانون ذكرها، متى كان ذلك بقصد إخفاء حقيقة وضع الشركة عن المساهمين أو ذوي العلاقة. وقد تصل العقوبة في هذه الحالات إلى الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من ألف دينار إلى عشرة آلاف دينار، كما تمتد العقوبة إلى المتدخل أو المحرض وفق النص.

 كذلك يتحمل مدير الشركة المسؤولية الجزائية  إذا تبين أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة، أو غيرها من الشركات المشمولة بالنص، لم تحفظ دفاتر حسابات منظمة قبل تصفيتها، فإن مدير الشركة ومدقق حساباتها يعتبران قد ارتكبا جرمًا يعاقب عليه بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة. وهذا يبين بصورة مباشرة أن القانون قد رتب مسؤولية جزائية شخصية على المدير في حالة معينة تتعلق بالدفاتر والحسابات.

 كما يعاقب القانون من يمتنع عمدًا عن تمكين مدققي الحسابات أو الأشخاص المكلفين من الوزير أو مراقب الشركات من القيام بواجباتهم، أو يمنعهم من الاطلاع على دفاتر الشركة ووثائقها، أو يمتنع عن تقديم المعلومات والإيضاحات اللازمة لهم. وتكون العقوبة غرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار، مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر.

 ومن الخطأ القول إن كون الشركة “ذات مسؤولية محدودة” يعني أن مديرها لا يمكن أن يسأل بأمواله الخاصة. فالمسؤولية المحدودة في الأساس تتعلق بمسؤولية الشريك عن ديون الشركة، إذ تقرر المادة (53) أن الشركة مسؤولة عن ديونها والتزاماتها بموجوداتها وأموالها، ولا يكون الشريك مسؤولًا عنها إلا في حدود حصته. أما المدير، فله مركز قانوني مختلف؛ فإذا ارتكب مخالفة أو خطأ شخصيًا في الإدارة وأدى ذلك إلى ضرر، فقد تقوم مسؤوليته الشخصية وفق المادة (61) وغيرها من الأحكام ذات العلاقة.

وقد أكد القضاء الأردني حديثًا أن الحماية المقررة بموجب المادة (53) لا تحول دون مسؤولية المدير الشخصية عندما يؤدي تصرفه المخالف للقانون إلى إلحاق ضرر بالغير. وقد تناول القضاء على سبيل المثال مسؤولية رئيس هيئة المديرين في شركة ذات مسؤولية محدودة عن عدم توريد اشتراكات الضمان الاجتماعي وما ترتب عليها من فوائد وغرامات، باعتبار أن المخالفة الشخصية في إدارة الشركة يمكن أن تؤسس لمسؤوليته بالتضامن مع الشركة.

 من كل ما تقدم نخلص إلى أن صفة الشركة ذات المسؤولية المحدودة لا تعني أن مديرها محصن من المسؤولية الشخصية. فالقانون الأردني يميز بوضوح بين مسؤولية الشركة عن ديونها والتزاماتها وبين مسؤولية المدير عن أفعاله ومخالفاته وأخطائه في الإدارة. وتقوم المسؤولية المدنية للمدير، بوجه عام، عند مخالفته قانون الشركات أو الأنظمة أو عقد تأسيس الشركة أو نظامها أو قرارات هيئاتها، متى ترتب على ذلك ضرر للشركة أو الشركاء أو الغير. كما يمكن أن تقوم مسؤوليته عن الخطأ في الإدارة وفق الأحكام التي تطبق على الشركة ذات المسؤولية المحدودة. أما المسؤولية الجزائية فتقوم عندما يشكل فعل المدير أو امتناعه جريمة أو مخالفة يعاقب عليها قانون الشركات أو تشريع آخر، ومن أمثلتها بعض المخالفات المتعلقة بالبيانات المالية والدفاتر والحسابات، أو عرقلة أعمال التدقيق والرقابة، أو مخالفة أحكام قانون الشركات التي رتب القانون عليها عقوبة.

وعليه، فإن المعيار الأساسي لتحديد مسؤولية المدير ليس مجرد كونه مديرًا، وإنما الفعل الذي ارتكبه، ومدى مخالفته للقانون أو نظام الشركة، ووجود الخطأ والضرر وعلاقة السببية في المسؤولية المدنية، وتوافر أركان الجريمة في المسؤولية الجزائية.

 

جرائم الذم والقدح والتحقير والمسؤولية المدنية والجزائية عنها في القانون الأردني

المحامي بشر إبراهيم الخطيب  إربد، الأردن

تُعد جرائم الذم والقدح والتحقير من الجرائم التي تمس شرف الإنسان وكرامته واعتباره وسمعته، وقد نظم المشرع الأردني أحكامها في قانون العقوبات، كما تترتب على ارتكابها آثار مدنية تتمثل في حق المتضرر بالمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به. وتبرز أهمية هذه الجرائم بصورة خاصة في الوقت الحاضر بسبب تعدد وسائل التعبير والنشر، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، الأمر الذي يجعل تحديد طبيعة العبارة أو المنشور والوسيلة التي استُخدمت لنشره أمرًا أساسيًا في تحديد المسؤولية القانونية.

وقد ميّز قانون العقوبات الأردني بين الجرائم الثلاث من حيث طبيعة السلوك المرتكب.

1. جريمة الذم

يقصد بالذم إسناد مادة معينة إلى شخص، ولو ورد ذلك في معرض الشك أو الاستفهام، بحيث يكون من شأن هذا الإسناد النيل من شرف الشخص وكرامته أو تعريضه لبغض الناس واحتقارهم، سواء كانت المادة المسندة تشكل جريمة يعاقب عليها القانون أم لا.  ومن ثم، فإن العنصر المميز للذم هو إسناد واقعة أو أمر محدد إلى المجني عليه. ومثال ذلك أن يقول شخص عن آخر إنه اختلس أموالًا أو ارتكب فعلًا مخلاً بالشرف، فهنا لا يقتصر الأمر على وصف الشخص بعبارة مهينة، وإنما تُسند إليه واقعة معينة يمكن من حيث المبدأ التحقق منها أو نفيها.

2. جريمة القدح

أما القدح فهو الاعتداء على كرامة الغير أو شرفه أو اعتباره دون إسناد واقعة معينة إليه.  والفارق الأساسي بين الذم والقدح هو أن الذم يقوم على إسناد واقعة معينة، أما القدح فيقوم على الإساءة إلى الشخص دون إسناد واقعة محددة. فإذا تضمنت العبارة إسناد فعل محدد إلى شخص فقد تكون ذمًا، أما إذا اقتصرت على وصف مهين أو جارح يمس كرامته واعتباره دون إسناد واقعة معينة فقد تدخل في نطاق القدح.

3. جريمة التحقير

التحقير هو كل تحقير أو سباب، غير الذم والقدح، يوجه إلى المعتدى عليه، وقد يقع بالكلام أو الحركات أو الكتابة أو الرسم غير العلني أو المخابرة الهاتفية أو بمعاملة غليظة.  ويختلف التحقير عن الذم والقدح في أن جوهره يتمثل في الإهانة أو الحط من الكرامة والاعتبار دون أن يكون الفعل مندرجًا في مفهوم الذم أو القدح.

ومن حيث صور ارتكاب الذم والقدح فلم يحصر القانون الذم والقدح في طريقة واحدة، وإنما حدد صورًا متعددة يمكن أن يتحقق بها الفعل. ومن هذه الصور:

1. الذم أو القدح الوجاهي: عندما يقع في مجلس وبمواجهة المعتدى عليه وفي مكان يمكن للآخرين سماعه فيه.

2. الذم أو القدح الغيابي: عندما يقع أثناء اجتماع بأشخاص آخرين.

3. الذم أو القدح الخطي: من خلال الكتابات أو الرسوم أو الصور التي تنشر أو توزع.

4. الذم أو القدح بواسطة المطبوعات ووسائل النشر.  ما يعني أن المسؤولية لا ترتبط فقط بالكلمات التي تقال شفهيًا، وإنما يمكن أن تنشأ عن الكتابة أو الصورة أو الرسم أو وسيلة من وسائل النشر متى توافرت الشروط القانونية.

كما يمكن أن يقع الفعل الجرمي بالذم أو القدح دون ذكر اسم الشخص الذي يقع عليه الفعل فلا يشترط دائمًا أن يذكر الجاني اسم المجني عليه صراحة.فإن كانت العبارات مبهمة أو لم يرد فيها اسم الشخص، ولكن وجدت قرائن تجعل نسبة العبارات إليه وتحديد المقصود منها أمرًا لا يثير شكًا، يعامل الفاعل كما لو أنه ذكر اسم المعتدى عليه صراحة. وبالتالي، فإن استخدام عبارات مثل “أحد المسؤولين” أو “أحد الموظفين” لا يمنع قيام الجريمة تلقائيًا إذا كانت الظروف والقرائن تجعل الشخص المقصود معروفًا بصورة واضحة.

و لكي تقوم المسؤولية الجزائية، يجب توافر العناصر والأركان القانونية اللازمة للجريمة وهي الركن المادي  والركن المعنوي:

1. الركن المادي يتمثل الركن المادي في صدور الفعل أو العبارة أو الإشارة أو الكتابة التي تشكل ذمًا أو قدحًا أو تحقيرًا وفقًا للتعريف القانوني، ويجب كذلك النظر إلى مضمون العبارة وسياقها والوسيلة التي استخدمت في التعبير عنها والظروف التي قيلت فيها، فلا يجوز عزل الكلمات عن السياق الذي وردت فيه عند تحديد طبيعتها القانونية.

2. الركن المعنوي: الأصل أن المسؤولية الجزائية لا تقوم بمجرد وجود كلمات يمكن أن يفهم منها الإساءة، وإنما يجب توافر القصد الجرمي وفقًا للقواعد العامة في المسؤولية الجزائية. ومن ثم يجب بحث ما إذا كان الفاعل قد صدر عنه الفعل بإرادة واعية، وما إذا كانت ظروف الواقعة تثبت علمه بطبيعة ما أسنده أو نشره.

وفيما يخص العقوبة على أي من هذه الأفعال فقد رتب قانون العقوبات عقوبات مختلفة على الذم والقدح والتحقير، بحيث تختلف العقوبة بحسب صفة الشخص المعتدى عليه والظروف التي ارتكبت فيها الجريمة. وبالنسبة للذم والقدح والتحقير الواقع على الأشخاص العاديين، تنظم المواد (358–360) من قانون العقوبات صورًا من هذه الأفعال وعقوباتها، حيث يعاقب على الذم بالحبس من شهرين إلى سنة، بينما يعاقب على بعض صور القدح والتحقير بالحبس أو الغرامة ضمن الحدود التي حددها القانون.  وتكون العقوبة أشد في بعض الحالات الخاصة، ولا سيما عندما يتعلق الفعل بشخص يتمتع بصفة رسمية أو يقع الاعتداء أثناء أداء الوظيفة أو بسببها.  ولهذا لا يكفي عند تحديد العقوبة معرفة أن الواقعة “ذم” أو “قدح” أو “تحقير”، وإنما يجب معرفة صفة المجني عليه وكيفية ارتكاب الفعل ومكانه ووسيلة نشره.

ومن المسائل المهمة في جرائم الذم والقدح أن مجرد قول المتهم إن ما ذكره “صحيح” لا يؤدي في جميع الحالات إلى إعفائه من المسؤولية.  وقد نظم القانون حالات محددة يمكن فيها بحث صحة ما نسبه الشخص، وخاصة عندما يتعلق الأمر بموظف وبواجبات وظيفته، وفق الشروط الواردة في النصوص القانونية. فإذا تعلق الذم بواجبات الوظيفة وثبتت صحة الوقائع ضمن الإطار الذي يسمح به القانون، يترتب على ذلك أثر قانوني في الدعوى.

ومن هنا يجب عدم الخلط بين حق الشخص في النقد أو الإبلاغ عن المخالفات وبين إسناد وقائع أو استعمال عبارات تتجاوز الحدود التي يسمح بها القانون.

و إلى جانب المسؤولية الجزائية، يمكن أن تنشأ مسؤولية مدنية نتيجة الأضرار التي تلحق بالمجني عليه. فالاعتداء على الشرف أو الكرامة أو السمعة قد يؤدي إلى أضرار مادية ومعنوية، مثل الإضرار بالسمعة المهنية أو فقدان فرص العمل أو التعامل التجاري أو الإضرار بالمركز الاجتماعي كما قد يؤدي إلى المعاناة النفسية والمعنوية  والمساس بالاعتبار والكرامة للمجني عليه.

وبناءً على ذلك، يستطيع المتضرر، وفقًا للقواعد القانونية الناظمة للمسؤولية المدنية والادعاء بالحق الشخصي، المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أصابه متى توافرت عناصر المسؤولية.

 وهذه المسؤولية المدنية تقوم  بصورة عامة على ثلاثة عناصر رئيسية:

أ. الخطأ ويتمثل في ارتكاب فعل غير مشروع، كإسناد واقعة مسيئة أو توجيه عبارات جارحة أو نشر محتوى يمس سمعة شخص دون مسوغ قانوني.

ب. الضرر إذ يجب أن يترتب على الفعل ضرر للمجني عليه، وقد يكون هذا الضرر ضررًا ماديًا، كخسارة مالية أو فقدان فرصة تجارية. أو ضررًا معنويًا، كالمساس بالسمعة والشرف والاعتبار والكرامة.

ج. وأخيراً علاقة السببية إذ يجب أن تكون هناك علاقة بين الفعل المرتكب والضرر المدعى به، بحيث يكون الضرر نتيجة للفعل محل المسؤولية.

وبذكر جرائم الذم والقدح والتحقير  لابد من الإشارة إلى ظاهرة ووسيلة جرمية باتت شائعة حديثاً وهي إرتكاب أي من هذا الجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي عبر منشور أو تعليق أو غيره من أكثر الوسائل التي يمكن أن تقع من خلالها أفعال تمس السمعة والاعتبار. وقد يكون المنشور أو التعليق أو الصورة أو الرسالة محلًا للمساءلة إذا توافرت فيه العناصر التي تجعل الفعل جريمة وفق التشريع النافذ. وهنا يجب التحقق من نسبة الحساب أو المنشور إلى الشخص المعني وسلامة الدليل الإلكتروني وسياق المحتوى، لا مجرد الاعتماد على صورة مقتطعة من منشور.

ومن الجدير ذكره أن ليس كل نقد أو رأي سلبي يشكل بالضرورة جريمة ذم أو قدح أو تحقير إذ ويجب التمييز بين النقد المباح وبين الإساءة المجرّمة. فعند تقييم العبارة يجب النظر إلى طبيعتها ومضمونها وسياقها والغرض منها والوسيلة التي نشرت بها، وكذلك إلى ما إذا كانت تتضمن إسناد واقعة محددة أو مجرد إبداء رأي أو تقييم. كما تجب مراعاة الحالات التي يسمح فيها القانون بالنشر أو التعبير ضمن حدود وشروط معينة. فقد استثنى القانون بعض صور النشر من المؤاخذة عندما تتوافر شروط محددة، ومنها بعض حالات النشر المتعلق بواجب قانوني أو مصلحة مشروعة وبحسن نية ودون تجاوز القدر المعقول الذي تقتضيه المناسبة.

التعويض عن الأضرار الجسدية الناشئة عن حوادث السير وفقًا للقانون الأردني

دليل حول التعويض عن الأضرار الجسدية الناشئة عن حوادث السير وفقًا للقانون الأردني…

المحامي بشر الخطيب - إربد، الأردن

التعويض عن الأضرار الجسدية الناشئة عن حوادث السير في القانون الأردني


سرد توضيحي في إطار نظام التأمين الإلزامي للمركبات والتشريعات ذات الصلة

ابدأ القراءة الآن

دراسات قانونية • حوادث الطرق

التعويض القضائي عن حوادث السير في القانون الأردني


تعتبر حوادث السير من أبرز المعضلات التي تواجه المجتمع المعاصر، حيث يترتب عليها أضرار بالغة تمس الأرواح والسلامة الجسدية والممتلكات. ومن هنا، حرص المشرع الأردني على إرساء منظومة تشريعية متكاملة تهدف إلى جبر الضرر وحماية حقوق المتضررين عبر آليات تعويض عادلة وسريعة تسهم في تخفيف حدة الآثار الناجمة عن هذه الحوادث.

أولاً: الأساس التشريعي للتعويض عن حوادث السير

يقوم الأساس التشريعي للتعويض عن حوادث المركبات في الأردن على القواعد العامة للمسؤولية التقصيرية الواردة في القانون المدني الأردني، وتحديداً في المادة (256) التي تنص على أن «كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر». وبموجب هذا المبدأ، يتأسس حق المتضرر في المطالبة بالتعويض بناءً على توافر أركان المسؤولية الثلاثة: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية بينهما. كما ينظم نظام التأمين الإلزامي رقم (36) لسنة 2010 وتعديلاته حدود مسؤولية شركات التأمين في تغطية هذه الأضرار بصفة مباشرة.

ثانياً: مفهوم الضرر الجسدي في حوادث السير

ينصرف مفهوم الضرر الجسدي إلى كل أذى يلحق بسلامة جسم الإنسان أو صحته النفسية نتيجة الحادث. ويشمل التعويض القضائي في هذا السياق جوانب متعددة منها: نفقات العلاج الطبي المستقبلية والفعلية، العجز المؤقت الذي يحول دون ممارسة المتضرر لعمله المعتاد، والعجز الكلي أو الجزئي الدائم والذي يتم تقديره بموجب تقرير طبي قطعي صادر عن اللجنة الطبية المختصة. بالإضافة إلى ذلك، يشمل الضرر الجسدي الجانب المعنوي أو الأدبي المتمثل في الآلام والأحزان النفسية المصاحبة للمصاب وأسرته.

ملاحظة هامة: يستلزم تقدير نسبة العجز الناجمة عن الضرر الجسدي الحصول على تقارير طبية قطعية صادرة عن اللجان الطبية الرسمية بوزارة الصحة الأردنية، وهي المستند الأساسي الذي يعتمد عليه القضاء في تحديد سقف مبالغ التعويض العادلة.

احصل على استشارة قانونية متخصصة

الدليل القانوني لتقدير الأضرار الجسدية والتعويضات


ثالثاً: نطاق الأشخاص المستحقين للتعويض

يحدد القانون المدني والتشريعات ذات الصلة نطاقاً واضحاً للمستحقين للمطالبة بالتعويضات المالية والأدبية المترتبة على الضرر الجسدي، وتتلخص هذه الفئات في الآتي:


رابعاً: صور التعويض عن الأضرار الجسدية

تتنوع الصور والأشكال القانونية للتعويضات المالية المقررة بناءً على نوع الإصابة وشدة تأثيرها على استمرارية ونوعية حياة المصاب:

1. حالات الوفاة (Death)

2. العجز الكلي المستديم (Total Disability)

3. العجز الجزئي المستديم (Partial Disability)

4. العجز المؤقت (Temporary Disability)

المرجع القانوني لحقوق المتضررين

دراسة تفصيلية في أحكام التعويض والمسؤولية المدنية


خامساً: نفقات العلاج الطبي

تشمل نفقات العلاج الطبي كافة المصاريف الفعلية والضرورية التي يتكبدها المصاب نتيجة الحادث، بما في ذلك أجور الأطباء، قيمة الأدوية، تكاليف الإقامة في المستشفيات، والعمليات الجراحية التي تقتضيها الحالة. كما يمتد هذا التعويض ليشمل النفقات المستقبلية المتوقعة بناءً على التقارير الطبية القطعية الصادرة عن اللجان الطبية المعتمدة، لضمان التغطية الشاملة لجميع مراحل الاستشفاء وإعادة التأهيل الجسدي.


سادساً: الضرر المعنوي الناشئ عن الإصابة أو الوفاة

يُعنى الضرر المعنوي (أو الأدبي) بالأثر النفسي السلبي، والآلام، والحزن واللوعة التي تلحق بالمصاب أو ذويه نتيجة الإصابة الجسدية أو الوفاة. وقد استقر الفقه والقضاء على وجوب جبر هذا الضرر بتعويض مالي عادل يُقدّر تبعاً لجسامة الحادث ودرجة القرابة في حالات الوفاة، سعياً للتخفيف من وطأة المعاناة النفسية والألم الداخلي الذي لا يمكن قياسه مادياً بطرق حسابية اعتيادية.


سابعاً: مدى ارتباط التعويض بثبوت الخطأ

تتأرجح المسؤولية المدنية بين نظرية الخطأ الشخصي ونظرية المسؤولية الموضوعية (تحمل التبعة). في القوانين المعاصرة المنظمة للتأمين الإلزامي وحوادث السير، يتم تبسيط قواعد التعويض بحيث لا يلتزم المتضرر بإثبات الخطأ من جانب المتسبب بالحادث كشرط أساسي للحصول على حقوقه، بل يكفي إثبات وقوع الضرر ورابطة السببية بين الحادث والأضرار المطالب بالتعويض عنها، مما يحمي الضحايا ويسرع وتيرة التقاضي.


ثامناً: مسؤولية شركة التأمين وحدودها

تقوم مسؤولية شركة التأمين على أساس الحلول القانوني محل المؤمن له في تغطية الأضرار المادية والجسدية والمعنوية التي تلحق بالغير، وذلك ضمن الأسقف المالية المحددة بنظام التأمين الإلزامي أو شروط وثيقة التأمين الاختيارية. ومع ذلك، يحتفظ المؤمن له وشركة التأمين بحقوق الدفوع القانونية وحالات الرجوع المقرة تشريعاً، مثل حالات القيادة بدون رخصة سوق مطابقة أو تحت تأثير مسكر، حيث يحق للشركة أداء التعويض للمتضرر والرجوع لاحقاً على المتسبب لاسترداد ما دفعته.

هل تحتاج إلى استشارة قانونية مخصصة للتعويضات؟

فريقنا القانوني المتخصص مستعد لدراسة قضيتكم وتقدير قيمة التعويضات المستحقة لضمان تحصيل كامل حقوقكم المادية والمعنوية.

طلب استشارة

قوانين التأمين والتعويضات الأردنية

المرشد القانوني للمطالبة بالتعويضات المرورية


تاسعاً: التعويض في حالة المركبة غير المؤمنة أو مجهولة الهوية

بموجب التشريعات الأردنية المعمول بها، لا تضيع حقوق المتضررين من حوادث السير في حال كون المركبة المتسببة بالحادث غير مؤمنة تأميناً إلزامياً، أو في الحالات التي يلوذ فيها المتسبب بالفرار وتبقى المركبة مجهولة الهوية. حيث يتولى «صندوق تعويض متضرري حوادث المركبات» التابع للاتحاد الأردني لشركات التأمين مسؤولية دفع التعويضات عن الأضرار الجسدية والوفيات، وذلك لضمان توفير حماية اجتماعية وقانونية متكاملة لجميع المواطنين والمقيمين على أراضي المملكة.

عاشراً: الإجراءات العملية للمطالبة بالتعويض

لضمان تحصيل التعويضات المستحقة نظاماً بشكل سليم وقانوني، يجب على المتضررين اتباع الإجراءات والخطوات الثمانية المحددة بالتسلسل التالي:

هل تحتاج إلى استشارة قانونية متخصصة في قضايا التأمين؟

يتواجد مستشارونا القانونيون لمساعدتك في إعداد ملف المطالبة وتحصيل أقصى تعويض ممكن بموجب القوانين الأردنية.

طلب استشارة

الدليل القانوني الشامل في أحكام المسؤولية والتعويض

دراسة تحليلية مقارنة للمكتب القانوني والمحاكم المختصة

الحادي عشر: العلاقة بين الدعوى الجزائية والمطالبة بالتعويض

تتداخل المسؤوليتان الجزائية والمدنية عند ارتكاب فعل ضار يشكل جريمة ومعصية قانونية في آن واحد. فالفعل الإجرامي يطلق دعوى جزائية عامة تهدف إلى حماية المجتمع وإنزال العقاب، بينما ينشأ عن نفس الفعل ضرر خاص بالمتضرر يمنحه الحق في مطالبة الجاني بالتعويض المدني لجبر الضرر أمام المحكمة الجزائية ذاتها تبعاً للدعوى العامة أو استقلالاً أمام القضاء المدني.

الثاني عشر: حجية الحكم الجزائي أمام المحاكم المدنية

يقضي المبدأ القانوني المستقر بأن 'الجنائي يقيد المدني'. وبالتالي، فإن الحكم الصادر في الدعوى الجزائية بالبراءة أو الإدانة تكون له حجية مطلقة أمام المحاكم المدنية فيما يتعلق بوقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين، وفي الوصف القانوني لهذا الفعل ونسبته إلى فاعله، مما يمنع القاضي المدني من إعادة النظر في هذه المسائل الفاصلة.

الثالث عشر: معايير تقدير التعويض من قبل المحكمة

تتمتع محكمة الموضوع بسلطة تقديرية واسعة في تحديد قيمة التعويض الجابر للضرر، مستعينة بالخبرة الفنية المتخصصة. ويجب أن يغطي التعويض الضرر الفعلي المباشر الذي لحق بالمتضرر، متضمناً ما فاته من كسب وما لحقه من خسارة واقعية، إلى جانب الأضرار المعنوية والأدبية التي تمس الشرف أو السمعة أو المشاعر الإنسانية.

الرابع عشر: انتقال الحق في التعويض إلى الورثة

ينتقل الحق في المطالبة بالتعويض عن الأضرار المادية المباشرة إلى ورثة المتضرر فور وفاته باعتباره حقاً مالياً داخلاً في عناصر التركة. أما التعويض عن الأضرار الأدبية والمشاعر المعنوية، فلا ينتقل إلى الورثة إلا إذا تحدد بموجب اتفاق ودي بين الأطراف أو صدر به حكم قضائي نهائي، أو طالب به المتضرر نفسه أمام القضاء قبل وفاته.

الخامس عشر: سقوط دعوى المسؤولية والتعويض بالتقادم

تخضع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار لقواعد التقادم المسقط لحماية استقرار المعاملات. فوفقاً للقوانين السارية، تسقط هذه الدعوى بمرور ثلاث سنوات من اليوم الذي علم فيه المتضرر بحدوث الضرر والشخص المسؤول عنه، وتتقادم في جميع الأحوال ولا تسمع الدعوى بانقضاء خمس عشرة سنة من تاريخ وقوع الفعل الضار نفسه.

السادس عشر: التمييز بين التعويض التأميني والتعويض المدني

يكمن التمييز الجوهري في أن التعويض التأميني يستند إلى علاقة تعاقدية مسبقة والتزام محكوم ببنود بوليصة التأمين وسقوفها المالية المحددة بين المؤمن والمؤمن له. بينما يقوم التعويض المدني على المسؤولية التقصيرية وأركانها (الخطأ، الضرر، العلاقة السببية) ويهدف إلى جبر كامل الضرر الحقيقي الفعلي الواقع دون التقيد بأي أسقف أو حدود مالية مسبقة.


خاتمة وتوصيات قانونية

إن التكامل الدقيق والتمايز الفني بين قواعد المسؤولية الجزائية والمدنية يشكل الدعامة الأساسية لاستقرار الأحكام القانونية وصيانة حقوق المتقاضين. إن إدراك المتضرر لهذه المسائل وفهم مدد التقادم والآثار المترتبة على حجية الأحكام يحميه من فوات مواعيد المطالبة ويضمن له الحصول على حماية قانونية متكاملة وجبر كامل لكافة الأضرار التي أصابته.

مكتب النخبة للمحاماة

طلب استشارة قانونية

يرجى تعبئة النموذج أدناه وسنقوم بالتواصل معك في أقرب وقت ممكن.


نحن ندرك أهمية الوقت والسرية في التعامل مع القضايا القانونية. يضم فريقنا نخبة من المستشارين ذوي الخبرة الطويلة لتقديم حلول قانونية متكاملة ومخصصة لاحتياجاتكم.

🔒 نلتزم بالسرية التامة لجميع البيانات والمعلومات الواردة.

حقوق العامل الأساسية في قانون العمل الأردني

النظام القانوني لحقوق العامل وضمانات الإنهاء في التشريع العمالي الأردني

المحامي بشر الخطيب

تستند العلاقة العقدية العمالية في التشريع الأردني إلى قواعد قانون العمل رقم (8) لسنة 1996 وتعديلاته، بوصفها نصوصاً آمرة متصلة بالنظام العام. تهدف هذه القواعد إلى إرساء حدٍّ أدنى للحقوق لا يجوز النزول عنه، مع إجازة ما يقرره الاتفاق أو العرف أو النظام الداخلي للمنشأة متى كان ينشئ مركزاً قانونياً أفضل للعامل. بحيث أعمل المشرع الأردني مبدأ الحق المكتسب والأصلح للعامل متى كان النظام الداخلي للمنشأة أو عقد العمل الفردي أو عقد العمل الجماعي يقرر للعامل حقاً مالياً إضافياً على ما يقرره القانون الأردني، يبقى هذا الحق التزاماً تعاقدياً تفضيلياً قائماً بذاته عملاً بمبدأ أولوية الشروط الأفضل للعامل.

تالياً نستعرض عرضاً مبسطاً وموجزاً للمراكز القانونية المترتبة لأطراف العقد:

ساعات العمل واستحقاقات الأجر الإضافي

النطاق الزمني لساعات العمل الأساسية: تضع المادة (56) حداً أقصى للالتزام بالعمل مقداره 8 ساعات يومياً أو 48 ساعة أسبوعياً كأصل عام، مع إخراج الفترات المخصصة للراحة وتناول الطعام من الوعاء الزمني الخاضع لاحتساب الأجر وساعات العمل الفعلية. فيما يرتب تشغيل العامل لساعات تتجاوز الحدود المذكورة إلتزاما على صاحب العمل بدفع بدل عن العمل الإضافي للعامل بموجب المادة (59/أ) لا يقل عن 125% من الأجر الاعتيادي للعمل تجاوزاً للسقف اليومي أو الأسبوعي.

التشغيل الاستثنائي في العطلات الرسمية والأسبوعية:

أقر القانون للعامل الحق في أيام راحة من العمل بحيث يحظى بعطلة أسبوعية بمعدل يوم واحد على الأقل في الأسبوع حيث نصت المادة (60) من قانون العمل على أن يكون يوم الجمعة يوم عطلة أسبوعية مدفوعة الأجر أو الاتفاق على يوم آخر من أيام الأسبوع إذا اقتضى عمل المنشأة على العمل أيام الجمع ومع مراعاة الاستثناءات المقررة تشريعياً وفق طبيعة النشاط والمنشأة.

كما قرر للعامل الحق في الراحة في أيام العطل الرسمية التيي تقررها الحكومة في المناسبات الدينية والوطنية. وأضفى المشرّع حماية مضاعفة في المادة (59/ب)، مقرراً التزاماً مشدداً لا يقل عن 150% من الأجر المعتاد حال اقتضت ظروف التشغيل إلزام العامل بمباشرة مهامه في يوم راحته الأسبوعية أو العطلات الرسمية أو الأعياد الدينية.

النظام القانوني للإجازات السنوية:

يستحق العامل بموجب المادة (61) إجازة سنوية بأجر كامل مدتها 14 يوماً عن كل سنة خدمة، وتنتقل حكماً إلى 21 يوماً متى بلغت مدة خدمته 5 سنوات متصلة لدى صاحب العمل ذاته؛ وتُعد هذه المدة حداً أدنى غير خاضع للانتقاص بالاتفاق. كما قرر القانون على أن الحق في الإجازة يتحول إلى إلتزام عيني مالي على صاحب العمل بحيث يستحق للعامل التعويض عن الإجازة لأجر كامل في حالة عدم استفادة العامل منها.

الحق في مكافأة نهاية الخدمة في ظل قانوني العمل والضمان الاجتماعي:

قرر المشرّع إحلال المنظومة التأمينية لقانون الضمان الاجتماعي (تأمين الشيخوخة والعجز والوفاة) محل التزام صاحب العمل بدفع مكافأة نهاية الخدمة، بحيث لا يُلزم الأخير بالمكافأة عن الفترات المشمولة بالضمان الاجتماعي كأصل تشريعي. أما في حالة تخلف صاحب العمل عن إلتزامه بتسجيل العامل تحت مظلة الضمان الاجتماعي فإنه يترتب عليه تعويض العامل عند انتهاء خدمته بتعويض مكافأة نهاية الخدمة الوارد في المادة (32) للعمال غير الخاضعين لأحكام قانون الضمان الاجتماعي، وتُحتسب بمعدل أجر شهر عن كل سنة خدمة فعلية مع احتساب نسبي لكسور السنة، اعتماداً على آخر أجر تقاضاه العامل.

الحماية القضائية والآثار المالية لإنهاء الرابطة العقدية

تفرض المادة (23) التزاماً على العامل وصاحب العمل بإشعار الطرف الآخر برغبته بإنهاء العمل قبل الإنهاء بشهر على الأقل في العقود غير محددة المدة، ويترتب على الإخلال بهذا الواجب نشوء حق بالتعويض المالي للعامل المكافئ لأجر مدة الإشعار أو المدة المتبقية منه.

كما خول المشرع في المادة (25) المحكمة سلطة تقديرية في الحكم بإعادة العامل إلى عمله أو تقرير تعويض مادي يعادل أجر نصف شهر عن كل سنة خدمة، بحد أدنى لا يقل عن أجر شهرين، متى ثبتت مخالفة صاحب العمل لأحكام القانون أو إنهاء العقد بصورة تعسفية. وقد استقر الفقه والقضاء على أن التعويض المقضي به بموجب المادة (25) له طبيعة جبر الضرر الناتج عن التعسف، ولا يُسقط ولا يُدمج مع بدل الإشعار المستحق وفق المادة (23) أو غيره من الحقوق المكتسبة كالأجور المتأخرة وبدل الإجازات.

أما فيما يتعلق بالمسؤولية العقدية في حالة إنهاء العقد محدد المدة قبل انتهاء مدة العمل المتفق عليها في العقد فقد ألزم القانون لطرف المخل بتعويض الطرف الآخر عن هذا الإنهاء المبكر فإذا وقع الإنهاء تعسفاً من جانب رب العمل، استحق العامل الأجور والمزايا المستحقة عن كامل المدة المتبقية من العقد. اما أذا كان الإخلال من طرف العامل فإنه ملزم بتعويض صاحب العمل عن ما لحق بالأخير من ضرر على أن لا يتجاوز مبلغ التعويض مقدار نصف الأجور عن المدة المتبقية من العقد.

ختاماً فإن التكييف القانوني السليم للنزاع العمالي يستوجب من الممارس القانوني عدم الاكتفاء بالمبادئ العامة القانونية إذ يجب إخضاع النزاع لفحص منهجي مركب يحدد نوع العقد (محدد المدة أم غير محدد المدة)، والصفة القانونية للإنهاء (مشروعية مسوغات المادة 28 في مواجهة أسباب المادة 29)، ومدى خضوع العامل لمظلة الضمان الاجتماعي وغيرها من المؤثرات الموضوعية والقانونية المؤثرة في احتساب حقوق العامل توصلاً إلى تحديد الوعاء المالي والمسؤولية القانونية بدقة.