جريمة إساءة الأمانة في القانون الأردني أركانها وأحكامها وعقوبتها

جريمة إساءة الأمانة في القانون الأردني: أركانها وأحكامها وعقوبتها

المحامي بشر إبراهيم الخطيب

وردت جريمة إساءة الأمانة في المواد (422 وما بعدها) من قانون العقوبات الأردني. وبشكل جوهري فهي تجرم من تسلّم مالًا أو نقودًا أو أشياء أو سندًا للغير على سبيل الأمانة أو الوكالة أو الحفظ أو الاستعمال المحدد أو لإجراء عمل، ثم كتمه أو بدله أو تصرف به تصرف المالك أو استهلكه أو امتنع عن تسليمه لمن يجب تسليمه إليه. وتُعد جريمة إساءة الائتمان من الجرائم الواقعة على الأموال، وتقوم فكرتها الأساسية على أن يتسلّم شخص مالًا أو شيئًا مملوكًا للغير على سبيل الأمانة أو لغرض محدد، ثم يخل بالثقة التي أُعطيت له من خلال التصرف بالمال أو الشيء على نحو يخالف الغرض الذي تسلّمه من أجله. وقد نظم المشرع الأردني هذه الجريمة في الفصل الثالث من قانون العقوبات، وتحديدًا في المواد (422) وما بعدها، تحت عنوان إساءة الائتمان والاختلاس. وتكمن خصوصية هذه الجريمة في أن المال يكون قد وصل إلى حيازة الجاني أصلًا بطريقة مشروعة، ثم تتحول الحيازة لاحقًا إلى حيازة غير مشروعة نتيجة سلوك الجاني.

وتنص المادة (422) من قانون العقوبات الأردني على أن من تسلّم على سبيل الأمانة أو الوكالة، ولغرض الإبراز والإعادة أو الاستعمال على صورة معينة أو الحفظ أو إجراء عمل، مالًا أو نقودًا أو أشياء أو سندًا يتضمن تعهدًا أو إبراء، ثم كتمه أو بدله أو تصرف به تصرف المالك أو استهلكه أو أقدم على فعل يعد تعديًا أو امتنع عن تسليمه لمن يلزم تسليمه إليه، يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وبالغرامة من عشرة دنانير إلى مائة دينار.

وبذلك يتضح أن المشرع لم يقصر الجريمة على حالة اختلاس النقود، وإنما وسّع نطاقها ليشمل الأموال والأشياء والسندات، متى كانت قد سُلّمت إلى الجاني في إطار من الأمانة أو لغرض محدد يوجب عليه المحافظة عليها أو ردها أو استعمالها وفق الغرض المتفق عليه.

تتميز جريمة إساءة الائتمان عن السرقة والاحتيال بأن المال محل الجريمة يكون قد وصل إلى يد المتهم بصورة مشروعة في بداية الأمر. فالشخص الذي يتسلّم مالًا من صاحبه على سبيل الحفظ أو الوكالة أو لغرض محدد لا يكون حائزًا له بصورة غير مشروعة عند استلامه. وإنما تنشأ الجريمة عندما يقوم بعد ذلك بسلوك يتعارض مع الغرض الذي تسلّم المال من أجله. ولهذا فإن مجرد وجود المال في حيازة الشخص لا يكفي لقيام الجريمة، بل يجب أن تكون هناك علاقة أمانة أو غرض محدد يفسر كيفية وصول المال إلى حيازته، ثم يقع فعل يشكل إخلالًا بهذه الأمانة.

 

ولجريمة إساءة الأمانة ركنان مادي ومعنوي ، وبداية فإن الركن المادي لجريمة إساءة الائتمان يتكون من مجموعة عناصر مترابطة:

أولاً:  تسلّم المال أو الشيء: بحيث يجب أن يكون المال أو الشيء قد وصل إلى حيازة المتهم بصورة مشروعة، وعلى أساس من الأمانة أو الوكالة أو الحفظ أو لغرض معين. ومن أمثلة ذلك أن يتسلّم شخص مالًا من آخر لحفظه، أو يتسلّم بضاعة لبيعها أو تسليمها لشخص معين، أو يتسلّم مالًا لإجراء عمل محدد، ثم يتصرف به خلافًا للغرض الذي تسلمه من أجله.

ثانياً:  أن يكون المال مملوكًا للغير: إذ يشترط أن يكون المال محل الجريمة عائدًا إلى شخص آخر غير الجاني، لأن جوهر الجريمة هو الاعتداء على مال الغير بعد تسلمه على سبيل الأمانة أو لغرض محدد.

ثالثاً:  وقوع فعل إساءة الأمانة بواحدة من الصور المنصوص عليها في القانون: فقد حدد المشرع صورًا متعددة للسلوك الذي يمكن أن يشكل إساءة ائتمان، ومن ذلك:

– كتمان المال أو الشيء.

– تبديله.

– التصرف فيه تصرف المالك.

– استهلاكه.

– القيام بفعل يشكل تعديًا عليه.

– الامتناع عن تسليمه إلى الشخص الذي يجب تسليمه إليه.

 

ومن ثم، فإن الجريمة لا تتطلب بالضرورة أن يقوم المتهم ببيع المال أو إنفاقه؛ فقد تتحقق أيضًا من خلال الامتناع عن رده متى توافرت العناصر القانونية للجريمة.

ومن المهم توضيحه أن ليس كل تأخر في رد المال أو كل نزاع حول مبلغ مالي جريمة إساءة ائتمان. وهذه نقطة مهمة جدًا في التمييز بين النزاع المدني والجريمة الجزائية. فوجود دين في ذمة شخص، أو نشوء خلاف حول تنفيذ عقد، أو تأخر المدين في دفع مبلغ مالي، لا يعني تلقائيًا أن هناك جريمة إساءة ائتمان.

 

وكما أن للجريمة ركن مادي فإن لها ركن معنوي أيضا، ذلك أن إساءة الائتمان من الجرائم التي تتطلب توافر القصد الجرمي وفق ظروف الواقعة. ويتمثل جوهر القصد في علم المتهم بأن المال أو الشيء الذي في حيازته ليس مملوكًا له وأنه تسلمه على أساس يفرض عليه المحافظة عليه أو رده أو استعماله وفق الغرض المحدد، ثم اتجاه إرادته إلى التصرف فيه على نحو يخالف هذا الالتزام. وعليه، فإن مجرد الخطأ أو الإهمال لا يكفي، في الأصل، لاستخلاص المسؤولية الجزائية عن إساءة الائتمان دون التحقق من توافر العناصر والقصد الجرمي الذي يتطلبه النص. ولهذا يجب في كل قضية بحث نية المتهم وظروف تسلم المال وطبيعة التصرف الذي قام به والأدلة التي تثبت اتجاه إرادته.

وقد يلتبس الفرق بين جريمة إساءة الأمانة وجرائم مشابهة لها مثل السرقة أو الاحتيال، وللتوضيح فإنه في جريمة السرقة، ينتزع الجاني المال من حيازة صاحبه دون رضاه، فتكون الحيازة غير المشروعة هي نقطة البداية. أما في إساءة الائتمان، فإن المال يصل إلى الجاني ابتداءً بصورة مشروعة، بناءً على الأمانة أو الوكالة أو الحفظ أو لغرض محدد، ثم يقوم الجاني بعد ذلك بالإخلال بهذه الثقة والتصرف في المال بصورة غير مشروعة.

وتختلف إساءة الأمانة عن الاحتيال من حيث طريقة حصول الجاني على المال. ففي الاحتيال يكون الحصول على المال نتيجة وسائل احتيالية تدفع المجني عليه إلى تسليم ماله. أما في إساءة الائتمان، فيكون التسليم في الأصل مشروعًا وصحيحًا، ولا تكون الجريمة قائمة على خداع المجني عليه عند التسليم، وإنما على التصرف اللاحق في المال بصورة مخالفة للأمانة أو الغرض المحدد.

وقد تلحق جريمة إساءة الأمانة ظروف أو أوصاف معينة تؤدي إلى زيادة جسامة فعل إساءة الأمانة وبالتالي تشديد العقوبة المقررة لها، فقد نصت المادة (423) على تشديد العقوبة في حالات معينة، ومن بينها أن يكون مرتكب الفعل خادمًا بأجرة أو عاملًا لدى صاحب العمل وكان الضرر موجهًا إلى مخدومه أو صاحب العمل، وكذلك في حالات أخرى حددها النص، ومنها مدير مؤسسة خيرية، والوصي، والمحامي أو كاتب العدل، وبعض الأشخاص المستنابين عن السلطة العامة لإدارة الأموال أو حراستها. وبالتالي، فإن تحديد العقوبة لا يعتمد فقط على طبيعة الفعل، وإنما قد يعتمد أيضًا على صفة مرتكب الجريمة وعلاقته بالمجني عليه والمال محل الجريمة.

وقد تقع جريمة إساءة الائتمان بصورة متكررة في علاقات العمل، خاصة عندما يتسلّم الموظف أو العامل أموالًا أو بضائع أو أدوات أو مستندات مملوكة لصاحب العمل لغرض معين. فإذا كان العامل قد تسلّم المال أو الشيء على سبيل الأمانة أو لغرض محدد، ثم قام باختلاسه أو التصرف فيه لمصلحته أو امتنع عن تسليمه وفقًا لما يقتضيه الغرض من التسليم، فقد تتوافر أركان إساءة الائتمان، بحسب وقائع القضية والأدلة. وقد خص المشرع هذه الحالة بحكم أشد في المادة (423) عندما يكون مرتكب الفعل عاملًا أو خادمًا بأجرة ويكون الضرر موجهًا إلى صاحب العمل. وقد تثار الجريمة كذلك في إطار الشركات، كأن يتسلّم مدير أو موظف أموالًا أو موجودات مملوكة للشركة لغرض محدد ثم يتصرف فيها لحسابه الشخصي.

واخيراُ ومن حيث عقوبة جرم إساءة الأمانة فإن العقوبة المقررة لها وفقاُ لنص المادة 422 هي الحبس من شهرين إلى سنتين، والغرامة من عشرة دنانير إلى مائة دينار. إلا أن العقوبة قد تختلف في الحالات التي نص القانون على تشديدها كما تمت الإشارة سابقاٌ، ولذلك لا يجوز تحديد العقوبة النهائية دون معرفة صفة المتهم والظروف المحيطة بالفعل ومدى انطباق المواد اللاحقة على الواقعة.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *