مسؤولية مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة المدنية والجزائية وفقًا لقانون الشركات الأردني
المحامي بشر إبراهيم الخطيب
تقوم الشركة ذات المسؤولية المحدودة في الأصل على استقلال ذمتها المالية عن الذمم المالية للشركاء، فالشركة هي التي تكون مسؤولة عن ديونها والتزاماتها، ولا يسأل الشريك عنها إلا في حدود حصته في رأس المال. غير أن هذه الحماية لا تعني أن مدير الشركة يتمتع بحصانة شخصية عن جميع الأفعال التي يرتكبها أثناء إدارته. فقد رتب قانون الشركات الأردني مسؤولية شخصية على المدير متى ارتكب مخالفة قانونية أو نظامية أو تعاقدية أو تسبب بخطئه في إلحاق الضرر بالشركة أو الشركاء أو الغير. ويُعد هذا الموضوع من المسائل المهمة عمليًا، لأن صفة “مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة” لا تعني أن جميع الالتزامات تبقى في ذمة الشركة، بل قد تنتقل المسؤولية إلى المدير شخصيًا متى توافرت شروط المسؤولية القانونية.
وللتوضيح تنص المادة (60) من قانون الشركات على أن إدارة الشركة ذات المسؤولية المحدودة يتولاها مدير أو هيئة مديرين، ويكون المدير أو هيئة المديرين صاحب الصلاحيات اللازمة لإدارة الشركة ضمن الحدود التي يحددها نظامها. وفي الوقت ذاته، قرر القانون حماية للغير حسن النية الذي يتعامل مع الشركة، إذ تعتبر الأعمال والتصرفات التي يقوم بها المدير باسم الشركة ملزمة لها تجاه الغير حسن النية، حتى لو تضمن عقد الشركة أو نظامها قيودًا على صلاحيات المدير. كما يفترض القانون حسن نية الغير ما لم يثبت العكس. وهذا يعني أن هناك تمييزًا بين مسؤولية الشركة تجاه الغير عن التصرف الذي أجراه المدير باسمها وبين مسؤولية المدير الشخصية عن المخالفة أو الخطأ الذي ارتكبه.
فيما تعتبر المادة (61) الأساس المباشر لمسؤولية مدير الشركة ذات المسؤولية المحدودة، إذ تقرر أن المدير، سواء كان مديرًا منفردًا أو عضوًا في هيئة المديرين، يكون مسؤولًا تجاه الشركة والشركاء والغير من المتعاملين مع الشركة عن أية مخالفة لأحكام قانون الشركات والأنظمة الصادرة بموجبه، أو عقد تأسيس الشركة ونظامها، أو القرارات الصادرة عن الهيئة العامة أو هيئة المديرين. ومن ثم، فإن مسؤولية المدير المدنية قد تتخذ ثلاث صور رئيسية:
1. مسؤولية المدير تجاه الشركة: تتحقق هذه المسؤولية عندما يؤدي تصرف المدير أو امتناعه عن القيام بواجب قانوني إلى إلحاق ضرر بالشركة نفسها. ومن أمثلة ذلك أن يقوم المدير بتصرف مخالف لنظام الشركة أو أن يستعمل أموال الشركة بصورة غير مشروعة أو يتخذ قرارًا إداريًا مخالفًا للقانون ويترتب عليه ضرر مالي للشركة، وفي هذه الحالة يكون من حق الشركة الرجوع على المدير للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي تسبب به.
2. مسؤولية المدير تجاه الشركاء: قد يرتكب المدير مخالفة لا يقتصر أثرها على الشركة، وإنما تلحق ضررًا مباشرًا بأحد الشركاء أو بعدد منهم. وقد أشار القضاء الأردني إلى أن مسؤولية المدير تجاه الشريك يمكن أن تتحقق عندما يؤدي خطأ المدير أو مخالفته للقوانين والأنظمة إلى إلحاق ضرر شخصي بالشريك، مثل حرمانه من حق مقرر له وفقًا لنظام الشركة وبالتالي لا يكفي أن يكون الشخص متضررًا بصورة غير مباشرة نتيجة انخفاض قيمة الشركة أو أرباحها، وإنما ينبغي بحث طبيعة الضرر وعلاقته بالفعل المنسوب إلى المدير.
3. مسؤولية المدير تجاه الغير: يمكن أن تمتد مسؤولية المدير إلى الغير إذا ارتكب مخالفة أو خطأ أدى بصورة مباشرة إلى إلحاق الضرر به. وقد أكد القضاء الأردني أن مسؤولية المدير تجاه الغير تقوم على أساس الضرر الناتج عن المخالفة أو الخطأ في إدارة الشركة. وهنا يجب التمييز بين حالتين: فإذا تعاقد المدير باسم الشركة مع شخص حسن النية، فإن التصرف يكون، كأصل عام، ملزمًا للشركة وفق المادة (60). أما إذا ارتكب المدير شخصيًا مخالفة أو خطأ تسبب في ضرر للغير، فقد تنشأ مسؤوليته الشخصية عن ذلك الضرر.
ومن الجدير ذكره أن مسؤولية المدير لا تقتصر على مخالفة النصوص الخاصة بقانون الشركات، وإنما قد تشمل الخطأ في إدارة الشركة. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب المادة (76) من قانون الشركات، التي تقضي بتطبيق الأحكام المتعلقة بالشركة المساهمة العامة على الشركة ذات المسؤولية المحدودة في كل مسألة لم يرد بشأنها نص خاص في الأحكام المنظمة للشركة ذات المسؤولية المحدودة. وقد استند القضاء الأردني إلى هذه القاعدة في تطبيق المادة (157) على الشركة ذات المسؤولية المحدودة، وقرر أن مدير الشركة أو هيئة المديرين يكون مسؤولًا عن المخالفات للقوانين والأنظمة وعن الخطأ في إدارة الشركة، متى ترتب على ذلك ضرر. وبالتالي، فإن مسؤولية المدير ليست محصورة في الأفعال التي يحظرها القانون صراحة، وإنما قد تنشأ كذلك من سوء الإدارة أو الخطأ الإداري متى توافرت عناصر المسؤولية المدنية.
ومن بعض صور مسؤوليات المدير في الشركة ذات المسؤولية المحدودة التزاماته تلم المتعلقة بالحسابات والبيانات المالية، فقد ألزم القانون مدير الشركة أو هيئة المديرين بإعداد الميزانية السنوية والحسابات الختامية، بما فيها حساب الأرباح والخسائر والإيضاحات وبيان التدفقات النقدية، على أن تكون مدققة من مدقق حسابات قانوني وفق المعايير المحاسبية والتدقيقية المعتمدة. كما يجب إعداد التقرير السنوي عن أعمال الشركة وتقديم هذه البيانات إلى الهيئة العامة في اجتماعها العادي السنوي، وتقديم نسخة منها إلى مراقب الشركات ضمن المدة المحددة قانونًا. وتظهر أهمية هذه الالتزامات في أن الإخلال بها قد يرتب مسؤولية مدنية، وقد يرتب أيضًا مسؤولية جزائية إذا توافرت إحدى الجرائم أو المخالفات التي نص قانون الشركات أو أي تشريع آخر على تجريمها.
ومن هذه الصور أيضاً مسؤولية المدير عند تجاوز صلاحياته، فقد يتضمن نظام الشركة قيودًا على صلاحيات المدير، مثل وضع حدود معينة للاستدانة أو رهن موجودات الشركة أو كفالة التزامات الغير. إلا أن وجود هذه القيود لا يعني بالضرورة أن التصرف المخالف لها غير ملزم للشركة في مواجهة الغير حسن النية؛ فالمادة (60) تقرر أن أعمال المدير باسم الشركة تكون ملزمة لها تجاه الغير حسن النية، بغض النظر عن القيود الداخلية الواردة في عقد الشركة أو نظامها. ولكن ذلك لا يعني إعفاء المدير من المسؤولية الداخلية؛ فإذا تجاوز المدير صلاحياته وخالف نظام الشركة وترتب على ذلك ضرر، فقد يسأل شخصيًا تجاه الشركة أو الشركاء أو الغير بحسب طبيعة الضرر والفعل المرتكب.
وبالإضافة لما ذكر فإن القانون كذلك يمنع المدير من منافسة الشركة بحيث فرضت المادة (63) قيودًا على مدير الشركة وأعضاء هيئة المديرين، فمنعتهم، كأصل عام، من تولي وظيفة في شركة أخرى ذات غايات مماثلة أو منافسة، أو ممارسة عمل مماثل لأعمال الشركة لحسابهم أو لحساب الغير، أو الاشتراك في إدارة شركة أخرى ذات غايات مماثلة أو منافسة، إلا بعد الحصول على موافقة الهيئة العامة بالأغلبية التي حددها القانون. وفي حال عدم تصحيح المخالفة وفق الإجراءات المنصوص عليها، يترتب على المخالف فقدان مركزه في الشركة، فضلًا عن غرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار، وإلزامه بالضرر الذي لحق بالشركة أو الشركاء. وهذه الصورة تمثل مثالًا واضحًا على اجتماع المسؤولية المدنية والجزاء القانوني في فعل واحد.
كذلك قد تقوم مسؤولية المدير عن خسائر الشركة فقد أوجب القانون على مدير الشركة أو هيئة المديرين اتخاذ إجراءات معينة عند وصول خسائر الشركة إلى نسب محددة من رأس المال. فإذا زادت خسائر الشركة على نصف رأس مالها، يجب دعوة الهيئة العامة إلى اجتماع غير عادي لاتخاذ القرار المناسب بشأن تصفية الشركة أو استمرارها مع تصحيح أوضاعها. أما إذا بلغت الخسائر ثلاثة أرباع رأس المال، فالأصل وجوب تصفية الشركة، ما لم تتخذ الهيئة العامة غير العادية الإجراءات التي يسمح بها القانون لمعالجة الخسائر. ومن ثم فإن تقاعس المدير عن اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون عند تعرض الشركة لخسائر جسيمة قد يؤدي إلى قيام مسؤوليته، بحسب ظروف الواقعة والضرر الناتج عنها.
ولا تقتصر مسؤولية المدير على الجانب المدني، فقد يرتكب أثناء إدارته للشركة أفعالًا تشكل جرائم أو مخالفات يعاقب عليها قانون الشركات أو قوانين أخرى. ومن المهم هنا التأكيد على أن المسؤولية الجزائية شخصية؛ فلا يعاقب المدير لمجرد أن الشركة ارتكبت مخالفة، وإنما يجب أن تتوافر في حقه العناصر القانونية للفعل الجرمي أو المخالفة المنسوبة إليه. ومن ذلك الجرائم المتعلقة بالبيانات والحسابات، مثل تنظيم ميزانية الشركة وحسابات أرباحها وخسائرها بصورة غير مطابقة للواقع، أو تضمين التقارير بيانات غير صحيحة، أو تقديم معلومات غير صحيحة للهيئة العامة، أو كتم معلومات وإيضاحات يوجب القانون ذكرها، متى كان ذلك بقصد إخفاء حقيقة وضع الشركة عن المساهمين أو ذوي العلاقة. وقد تصل العقوبة في هذه الحالات إلى الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من ألف دينار إلى عشرة آلاف دينار، كما تمتد العقوبة إلى المتدخل أو المحرض وفق النص.
كذلك يتحمل مدير الشركة المسؤولية الجزائية إذا تبين أن الشركة ذات المسؤولية المحدودة، أو غيرها من الشركات المشمولة بالنص، لم تحفظ دفاتر حسابات منظمة قبل تصفيتها، فإن مدير الشركة ومدقق حساباتها يعتبران قد ارتكبا جرمًا يعاقب عليه بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة. وهذا يبين بصورة مباشرة أن القانون قد رتب مسؤولية جزائية شخصية على المدير في حالة معينة تتعلق بالدفاتر والحسابات.
كما يعاقب القانون من يمتنع عمدًا عن تمكين مدققي الحسابات أو الأشخاص المكلفين من الوزير أو مراقب الشركات من القيام بواجباتهم، أو يمنعهم من الاطلاع على دفاتر الشركة ووثائقها، أو يمتنع عن تقديم المعلومات والإيضاحات اللازمة لهم. وتكون العقوبة غرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على عشرة آلاف دينار، مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر.
ومن الخطأ القول إن كون الشركة “ذات مسؤولية محدودة” يعني أن مديرها لا يمكن أن يسأل بأمواله الخاصة. فالمسؤولية المحدودة في الأساس تتعلق بمسؤولية الشريك عن ديون الشركة، إذ تقرر المادة (53) أن الشركة مسؤولة عن ديونها والتزاماتها بموجوداتها وأموالها، ولا يكون الشريك مسؤولًا عنها إلا في حدود حصته. أما المدير، فله مركز قانوني مختلف؛ فإذا ارتكب مخالفة أو خطأ شخصيًا في الإدارة وأدى ذلك إلى ضرر، فقد تقوم مسؤوليته الشخصية وفق المادة (61) وغيرها من الأحكام ذات العلاقة.
وقد أكد القضاء الأردني حديثًا أن الحماية المقررة بموجب المادة (53) لا تحول دون مسؤولية المدير الشخصية عندما يؤدي تصرفه المخالف للقانون إلى إلحاق ضرر بالغير. وقد تناول القضاء على سبيل المثال مسؤولية رئيس هيئة المديرين في شركة ذات مسؤولية محدودة عن عدم توريد اشتراكات الضمان الاجتماعي وما ترتب عليها من فوائد وغرامات، باعتبار أن المخالفة الشخصية في إدارة الشركة يمكن أن تؤسس لمسؤوليته بالتضامن مع الشركة.
من كل ما تقدم نخلص إلى أن صفة الشركة ذات المسؤولية المحدودة لا تعني أن مديرها محصن من المسؤولية الشخصية. فالقانون الأردني يميز بوضوح بين مسؤولية الشركة عن ديونها والتزاماتها وبين مسؤولية المدير عن أفعاله ومخالفاته وأخطائه في الإدارة. وتقوم المسؤولية المدنية للمدير، بوجه عام، عند مخالفته قانون الشركات أو الأنظمة أو عقد تأسيس الشركة أو نظامها أو قرارات هيئاتها، متى ترتب على ذلك ضرر للشركة أو الشركاء أو الغير. كما يمكن أن تقوم مسؤوليته عن الخطأ في الإدارة وفق الأحكام التي تطبق على الشركة ذات المسؤولية المحدودة. أما المسؤولية الجزائية فتقوم عندما يشكل فعل المدير أو امتناعه جريمة أو مخالفة يعاقب عليها قانون الشركات أو تشريع آخر، ومن أمثلتها بعض المخالفات المتعلقة بالبيانات المالية والدفاتر والحسابات، أو عرقلة أعمال التدقيق والرقابة، أو مخالفة أحكام قانون الشركات التي رتب القانون عليها عقوبة.
وعليه، فإن المعيار الأساسي لتحديد مسؤولية المدير ليس مجرد كونه مديرًا، وإنما الفعل الذي ارتكبه، ومدى مخالفته للقانون أو نظام الشركة، ووجود الخطأ والضرر وعلاقة السببية في المسؤولية المدنية، وتوافر أركان الجريمة في المسؤولية الجزائية.